كلَّفنا ربُّنا أهونَ من ذلك ، لقد تجاوزَ لنا عمَّا دونَ الكبائر ، فما لنا ولها ؛ ثم
تلا: (إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا(31) .
وخرَّجه البزارُ في"مسندِهِ"مرفوعًا ، والموقوف أصحَّ.
وقد وصف اللَّهُ المحسنينَ باجتنابِ الكبائرِ ، قالَ اللَّهُ تعالى: (وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى(31) الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ).
وفي تفسيرِ اللَّمم قولانِ للسَّلفِ:
أحدُهُما: أنَّه مقدماتُ الفواحشِ كاللمسِ والقبلةِ ة.
وعن ابن عباسٍ: هو ما دونَ الحدَّينِ: وعيدِ الآخرةِ بالنارِ وحدَ الدنيا.
والثاني: أنَّه الإلمامُ بشيء ٍ من الفواحشِ والكبائر مرَّةً واحدةً ، ثم يتوبُ منه.
ورويَ عن ابنِ عباسٍ وأبي هريرة.
ورويَ عنه مرفوعًا بالشَّكِّ في رفعِهِ ، قال:"اللمةُ من الزنى ثم يتوبُ فلا يعودُ ، واللمةُ من شرب الخمرِ ثم يتوبُ فلا يعودُ ، واللمة من السرقةِ ثم يتوبُ فلا يعود".
ومن فسَّر الآيةَ بهذا قالَ: لا بدَّ أن يتوبَ مِنْهُ ، بخلافِ من فسَّرَهُ
بالمقدِّماتِ ، فإنَّه لم يشترطْ توبةً.
والظاهرُ: أن القولينِ صحيحانِ ، وأنَّ كلاهُما مرادٌ من الآيةِ ، وحينئذٍ
فالمحسنُ: هو من لا يأتِي بكبير إلا نادرًا ثم يتوبُ منها ، ومن إذا أتى
بصغيره كانتْ مغمورةً في حسناتِهِ المكفرةِ لها ، ولا بُد أن لا يكونَ مصِرًّا
عليها ، كما قال تعالى: (وَلَمْ يصِرّوا عَلَى مَا فَعَلوا وَهُمْ يَعْلَمون) .
ورويَ عن ابن عباسِ أنَّه قالَ: لا صغيرةَ مع إصرار ، ولا كبيرةَ مع
استغفار ، ورويَ مرفوعًا من وجوهٍ ضعيفة.
وإذا صارتِ الصغائرُ كبائرَ بالمداومةِ عليها ، فلا بُدَّ للمحسنينَ من اجتنابِ