وقد قيل: إنَّه إنَّما مُنع من التوبةِ حينئذٍ ، لأنَّه إذا انقطعتْ معرفتُه وذهَلَ عقلُه ، لم يتصوَّر منه ندم ولا عزْم ، فإنَّ النَّدمَ والعزمَ إنَّما يصحُّ مع حضورِ العقْل ، وهذا ملازم لمعاينةِ الملائكةِ ، كما دلَّت عليه هذه الأخبار.
وقولُه - صلى الله عليه وسلم - في حديثِ ابنِ عمرَ:"ما لم يُغَرْغِر"، يعني إذا لم تبلُغْ رُوحُه عند خروجِهَا منه إلى حلْقِه ، فشبَّه تردُّدها في حلقِ المحتضرِ بما يتغرْغَرُ به الإنسانُ من الماءِ وغيرِه ، ويردده في حلقِهِ. وإلى ذلكَ الإشارة في القرآن بقولِهِ عزَّ وجلَّ: (فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ(83) وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ (84) وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ (85) .
وبقولِهِ عزَّ وجلّ (كلَّا إِذا بَلَغَتِ التَرَاقِيَ) .
وروى ابنُ أبي الدنيا بإسنادِهِ ، عن الحسنِ ، قالَ: أشدُّ ما يكونُ الموتُ على
العبدِ إذا بلغتِ الروحُ التَّراقيَ ، قالَ: فعندَ ذلكَ يضطربُ ويعلو نَفَسُهُ ثم بكى الحسنُ - رحمه اللَّه تعالى.
عِشْ ما بدَالك سالما ... في ظِلِّ شاهقةِ القُصورِ
يُسْعَى عليكَ بما اشتهيـ ... ت لدَى الرَّواح وفي البُكُور
فإذا النُّفوسُ تقَعْقَعَتْ ... في ضيقِ حَشْرَجَةِ الصُّدورِ
فهناكَ تعْلمُ مُوقِنًا ... ما كنْتَ إلا في غُرورِ
واعلم ؛ أن الإنسانَ ما دامَ يؤملُ الحياةَ فإنه لا يقطعُ أملَه من الدنيا ، وقد لا
تسمحُ نفسُه بالإقلاع عن لذَّاتِها وشهواتِها من المعاصِي وغيرِها ، ويُرجِّيه
الشيطان التوبةَ في آخرِ عُمُر ، فإذا تيقَّن الموتَ ، وأيسَ من الحياة ، أفاقَ من
سكرته بشهواتِ الدنيا ، فندِم حينئذٍ على تفريطه ندامةً يكادُ يقتلُ نفسَهُ.
وطلبَ الرَّجعةَ إلى الدنيا ليتوبَ ويعمَلَ صالحًا ، فلا يجابُ إلى شيء ٍ من
ذلك ، فيجتمعُ عليه سكرةُ الموتِ مع حَسرةِ الفَوْتِ.