وقوله عزَّ وجلَّ: (وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا(18) .
فسوَّى بين مَن تابَ عند الموتِ ومن ماتَ من غيرِ توبةٍ ، والمرادُ
بالتوبةِ عندَ الموتِ التوبةُ عند انكشافِ الغطاءِ ، ومعاينةِ المحتضرِ أمورَ الآخرةِ.
ومشاهدةِ الملائكةِ ، فإنَّ الإيمانَ والتوبةَ وسائرَ الأعمالَ إنَّما تنفعُ بالغيبِ ، فإذا كُشِفَ الغِطاءُ وصارَ الغيبُ شهادةً ، لم ينفع الإيمانُ ولا التوبةُ في تلكَ الحالِ.
وروى ابنُ أبي الدنيا بإسنادِهِ عن على ، قال: لا يزالُ العبدُ في مهلٍ من
التَّوبةِ ما لم يأتِه ملَكُ الموتِ يقبضُ رُوحَه ، فإذا نزل ملَكُ الموتُ فلا توبةَ
حينئذ.
وبإسنادِهِ عن الثوريِّ ، قال: قال ابنُ عمرَ: التوبةُ مبسوطةٌ ما لم ينزلْ
سلطانُ الموت.
وعن الحسن ، قال: التوبةُ معروضةٌ لابنِ آدمَ ما لم يأخُذِ الموتُ بِكَظَمِه.
وعن بكرٍ المزنيِّ ، قال: لا تزالُ التوبةُ للعبدِ مبسُوطةً ما لم تأتِه الرسلُ ، فإذا
عاينَهم انقطعتِ المعرفةُ ، وعن أبي مجْلَزٍ قال: لا يزالُ العبدُ في توبةٍ ما لم
يعاين الملائكةَ.
وروى أيضًا في"كتاب الموت"بإسنادِهِ عن أبي موسى الأشعريِّ ، قال: إذا
عايَنَ الميتُ الملَكَ ذهبتِ المعرفةُ. وعن مجاهد نحوه.
وعن حصينٍ ، قالَ: بلغني أنَّ ملَكَ الموتِ إذا غَمَزَ ورِيدَ الإنسانِ حينئذٍ
يشخَصُ بصرُهُ ، ويذهَلُ عن الناسِ.
وخرَّج ابنُ ماجةَ حديثَ أبي موسى الأشعريِّ مرفوعًا ، قال: سألتُ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم -: متى تنقطعُ معرفةُ العبد من الناس ؟
قال:"إذا عاينَ". وفي إسنادِهِ مقالٌ. والموقوفُ أشبَهُ.