وَقِيلَ: مَا كَانَ لَهُ ذَلِكَ فِيمَا سَلَفَ، كَمَا لَيْسَ لَهُ الْآنَ ذَلِكَ بِوَجْهٍ، ثُمَّ اسْتَثْنَى اسْتِثْنَاءً مُنْقَطِعًا لَيْسَ مِنَ الْأَوَّلِ وَهُوَ الَّذِي يَكُونُ فِيهِ (إِلَّا) بِمَعْنَى (لَكِنْ) وَالتَّقْدِيرُ مَا كَانَ لَهُ أَنْ يَقْتُلَهُ أَلْبَتَّةَ لَكِنْ إِنْ قَتَلَهُ خَطَأً فَعَلَيْهِ كَذَا، هَذَا قَوْلُ سِيبَوَيْهِ وَالزَّجَّاجِ رَحِمَهُمَا اللَّهُ.
وَمِنَ الِاسْتِثْنَاءِ الْمُنْقَطِعِ قَوْلِهِ تَعَالَى: (مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّباعَ الظَّنِّ) .
وَقَالَ النَّابِغَةُ:
وَقَفْتُ فِيهَا أُصَيْلَانًا أُسَائِلُهَا ... عَيَّتْ جَوَابًا وَمَا بِالرَّبْعِ مِنْ أَحَدِ
إِلَّا الْأَوَارِيَّ لَأْيًا ما أبينها ... والنوى كَالْحَوْضِ بِالْمَظْلُومَةِ الْجَلَدِ
فَلَمَّا لَمْ تَكُنِ (الْأَوَارِيُّ) مِنْ جِنْسِ أَحَدٍ حَقِيقَةً لَمْ تَدْخُلْ فِي لفظه.
ومثله قول الآخر:
أَمْسَى سُقَامٌ خَلَاءً لَا أَنِيسَ بِهِ ... إِلَّا السِّبَاعَ وَمَرَّ الرِّيحِ بِالْغُرَفِ
وَقَالَ آخَرُ:
وَبَلْدَةٍ لَيْسَ بِهَا أَنِيسُ ... إِلَّا الْيَعَافِيرُ وَإِلَّا الْعِيسُ
وَقَالَ آخَرُ:
وَبَعْضُ الرِّجَالِ نَخْلَةٌ لَا جَنَى لَهَا ... وَلَا ظِلَّ إِلَّا أَنْ تُعَدَّ مِنَ النَّخْلِ
أَنْشَدَهُ سِيبَوَيْهِ، وَمِثْلُهُ كَثِيرٌ، وَمِنْ أَبْدَعِهِ قَوْلُ جَرِيرٍ:
مِنَ الْبِيضِ لَمْ تَظْعَنْ بَعِيدًا وَلَمْ تَطَأْ ... عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا ذَيْلَ مِرْطٍ مرحل
كَأَنَّهُ قَالَ: لَمْ تَطَأْ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا أَنْ تَطَأَ ذَيْلَ الْبُرْدِ.
وَقِيلَ: هُوَ اسْتِثْنَاءٌ مُتَّصِلٌ، أَيْ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا وَلَا يَقْتَصَّ مِنْهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ خَطَأً، فَلَا يُقْتَصُّ مِنْهُ، وَلَكِنْ فِيهِ كَذَا وَكَذَا.
وَوَجْهٌ آخَرُ وَهُوَ أَنْ يُقَدَّرَ كَانَ بِمَعْنَى اسْتَقَرَّ وَوُجِدَ، كَأَنَّهُ قَالَ: وَمَا وُجِدَ وَمَا تَقَرَّرَ وَمَا سَاغَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً إِذْ هُوَ مَغْلُوبٌ فِيهِ أَحْيَانًا، فَيَجِيءُ الِاسْتِثْنَاءُ عَلَى هَذَيْنِ التَّأْوِيلَيْنِ غَيْرُ مُنْقَطِعٍ.