فَإِنْ حَمَلْنَا الْآيَةَ الْأُولَى عَلَى أَنَّهُ تَعَالَى نَهَى الْمُؤْمِنِينَ عَنْ مُوَالَاةِ الْكُفَّارِ كَانَ مَعْنَى الْآيَةِ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا للَّه سُلْطَانًا مُبِينًا عَلَى كَوْنِكُمْ مُنَافِقِينَ، وَالْمُرَادُ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِأَهْلِ دِينِ اللَّه وَهُمُ الرَّسُولُ وَأُمَّتُهُ، وَإِنْ حَمَلْنَا الْآيَةَ الْأُولَى عَلَى الْمُنَافِقِينَ كَانَ الْمَعْنَى: أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا للَّه عَلَيْكُمْ فِي عِقَابِكُمْ حُجَّةً بِسَبَبِ مُوَالَاتِكُمْ لِلْمُنَافِقِينَ.
(إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا(145)
قَالُ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ: إِنَّهُ تَعَالَى قَالَ فِي صِفَةِ الْمُنَافِقِينَ (إِنَّهُمْ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ) وَقَالَ فِي آلِ فِرْعَوْنَ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذابِ) [غَافِرٍ: 46] فَأَيُّهُمَا أَشَدُّ عَذَابًا، الْمُنَافِقُونَ أَمْ آلُ فِرْعَوْنَ؟
وَأَجَابَ بِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ أَشَدَّ الْعَذَابِ إِنَّمَا يَكُونُ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ، وَقَدِ اجْتَمَعَ فِيهِ الْفَرِيقَانِ.
* لَمَّا كَانَ الْمُنَافِقُ أَشَدَّ عَذَابًا مِنَ الْكَافِرِ لِأَنَّهُ مِثْلُهُ فِي الْكُفْرِ، وَضُمَّ إِلَيْهِ نَوْعٌ آخَرُ مِنَ الْكُفْرِ، وَهُوَ الِاسْتِهْزَاءُ بِالْإِسْلَامِ وَبِأَهْلِهِ، وَبِسَبَبِ أَنَّهُمْ لَمَّا كَانُوا يُظْهِرُونَ الْإِسْلَامَ يُمْكِنُهُمُ الِاطِّلَاعُ عَلَى أَسْرَارِ الْمُسْلِمِينَ ثُمَّ يُخْبِرُونَ الْكُفَّارَ بِذَلِكَ فَكَانَتْ تَتَضَاعَفُ الْمِحْنَةُ مِنْ هَؤُلَاءِ الْمُنَافِقِينَ، فَلِهَذِهِ الْأَسْبَابِ جَعَلَ اللَّه عَذَابَهُمْ أَزْيَدَ مِنْ عَذَابِ الْكُفَّارِ.
(إِلَّا الَّذِينَ تابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا(146)
اعْلَمْ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ فِيهَا تَغْلِيظَاتٌ عَظِيمَةٌ عَلَى الْمُنَافِقِينَ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ تَعَالَى شَرَطَ فِي إِزَالَةِ الْعِقَابِ عَنْهُمْ أُمُورًا أَرْبَعَةً: أَوَّلُهَا: التَّوْبَةُ،