وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ: فِي بَيَانِ كَوْنِ هَذِهِ الْوَاقِعَةِ آيَةً مَا ذَكَرَهُ تَعَالَى بَعْدَ هَذِهِ الْآيَةِ، وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: (يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ) وَالْأَصَحُّ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ أَنَّ الرَّائِينَ هُمُ الْمُشْرِكُونَ وَالْمَرْئِيِّينَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ، وَالْمَعْنَى أَنَّ الْمُشْرِكِينَ كَانُوا يَرَوْنَ الْمُؤْمِنِينَ مِثْلَيْ عَدَدِ الْمُشْرِكِينَ قَرِيبًا مِنْ أَلْفَيْنِ، أَوْ مِثْلَيْ عَدَدِ الْمُسْلِمِينَ وَهُوَ سِتُّمِائَةٍ، وَذَلِكَ مُعْجِزٌ.
«فَإِنْ قِيلَ» : تَجْوِيزُ رُؤْيَةِ مَا لَيْسَ بِمَوْجُودٍ يُفْضِي إِلَى السَّفْسَطَةِ؟
قُلْنَا: نَحْمِلُ الرُّؤْيَةَ عَلَى الظَّنِّ وَالْحُسْبَانِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ مَنِ اشْتَدَّ خَوْفُهُ قَدْ يَظُنُّ فِي الْجَمْعِ الْقَلِيلِ أَنَّهُمْ فِي غَايَةِ الْكَثْرَةِ، وَإِمَّا أَنْ نَقُولَ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَنْزَلَ الْمَلَائِكَةَ حَتَّى صَارَ عَسْكَرُ الْمُسْلِمِينَ كَثِيرِينَ.
وَالْجَوَابُ الْأَوَّلُ أَقْرَبُ، لِأَنَّ الْكَلَامَ مُقْتَصِرٌ عَلَى الْفِئَتَيْنِ وَلَمْ يَدْخُلْ فِيهِمَا قِصَّةُ الْمَلَائِكَةِ.
وَالْوَجْهُ الرَّابِعُ: فِي بَيَانِ كَوْنِ هَذِهِ الْقِصَّةَ آيَةً، قَالَ الْحَسَنُ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَدَّ رَسُولَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي تِلْكَ الْغَزْوَةِ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ لِأَنَّهُ قَالَ: (فَاسْتَجابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ) [الْأَنْفَالِ: 9] وَقَالَ: (بَلى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ) [آلِ عِمْرَانَ: 125] وَالْأَلْفُ مَعَ الْأَرْبَعَةِ آلَافِ: خَمْسَةُ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ وَكَانَ سِيمَاهُمْ هُوَ أَنَّهُ كَانَ عَلَى أَذْنَابِ خُيُولِهِمْ وَنَوَاصِيهَا صُوفٌ أَبْيَضُ، وَهُوَ الْمُرَادُ بَقَوْلِهِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ)