"أن تكون الألفاظ حلوة المذاق رطبة طنانة ، صافية على السماع طيبة رنانة ، وجوده التركيب وحسنة ، وأن تكون الألفاظ فِي تركيبها تابعة لمعناها ، ولا يكون المعنى فيها تابعاً لألفاظ فيكون ظاهرة التمويه وباطنُه التشويه ، ويصير مثاله كمثال عمد من ذهب على نصب من خشب."
"وأن تكون كل واحدة من السجعتين دالة على معنى حسن بانفراده ، مغاير للمعنى الذي دلت عليه الأخرى. فهذه الشرائط الأربع لابد من اعتبارها فِي كل كلام مسجوع".
وأراني أطلت فِي عرض أقوال السلف فِي الفواصل القرآنية والسجع ، توطئة لتدبر أسرار التعبير فِي هذه الظاهرة الأسلوبية اللافتة ، من البيان المعجز
وقد رأينا كيف تباعدت بهم السبل بين الطرفين المتقابلين:
ففي البيئة الكلامية اختلفت الفرق الإسلامية بين نفي السجع فِي القآن نفياً باتاً ، والقول بوجوده فِي النظم القرآني ، وعَدَّه من وجوه إعجازه.
وفي البيئة اللغوية والبلاغية ، اتسع الخلاف بين مذهب"الفراء"فِي أن السجع فِي القرآن مقصود إليه لذاته ، وأنه ربما عدل عن نسق إلى آخر وآثر لفظاً على غيره فِي معناه ، قصداً إلى المشاكلة والتوافق بين رءوس الآيات.
وبين من أنكروا ، كابن سنان الخفاجي وابن الأثير ، أن تكون معاني الفواصل القرآنية تابعة للألفاظ.
ورأينا من علماء السلف من فرقوا بين الفواصل والأسجاع ، كالقاضي الباقلاني وعلي بن عيسى الرماني. وإن لم ير أكثر البلاغيين فرقاً بين الفواصل والسجع ، وعندهم أن الأمر فِي هذه التفرقة ، ليس إلا كراهة القول بالسجع فِي القرآن ، بعد أن شاع إطلاقه على سجع الكهان.
وما نزال نجد جفوة تجاه لفظ السجع ، لطول ما ابتذلته الصنعة اللفظية فِي الزخرف البديعي ، فِي أساليب العصور المتأخرة ، بعد أن التزمه الكهان فِي العصر الجاهلي.
ومن ثم نؤثر أن نمضي على تسمية مقاطع الآيات فِي القرآن بالفواصل ، وهو الذي جرى عليه أكثر المفسرين.