وبعد الذي سُقناه من خلافهم ، يكون من المجدي فِي القضية ، أن نتدبر الفواصل القرآنية ، لنرى ما إذا كان البيان الأعلى يتعلق فِي فاصلة منها بمجرد رعاية شكلية للرونق اللفظي ، أو أن فواصله تأتي لمقتضيات معنوية ، مع نسق الإيقاع بهذه الفواصل ، وائتلاف الجرس لألفاظها التي اقتضها المعاني على نحو تتقاصر دونه بلاغة البلغاء ؟
وأختار هنا شواهد من الفواصل التي مال"الفراء"ومن ذهب مذهبه ، إلى حملها على قصد المشاكلة اللفظية بين رءوس الآيات ، بإيثار نسق على آخر ، أو العدول عن لفظ إلى غيره فِي معناه.
دون أن يحتاطوا لدفع وهم الإطلاق ، والتعميم ، بذكر المقتضى المعنوي للفواصل المرعية.
ننظر ، مثلاً ، فِي هذه الفواصل القرآنية:
{وَالضُّحَى (1) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (2) مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى}
ذهب"الفراء"إلى أن القرآن جرى فيها على طرح كاف الخطاب من: قلاك ، اكتفاء بالكاف الأولى - فِي: ودعك - ولمشاكلة رءوس الآيات.
وعدّ"الفخر الرازي"من وجوه حذف الكاف رعاية الفاصلة.
ومثله"النيسابوري"فِي تفسيره لآيات الضحى ، ونظائرها.
ولو كان البيان القرآني يتعلق بهذا الملحظ اللفظي فحسب ، لما عدل عن رعاية الفاصلة فِي الآيات بعدها:
{فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ (9) وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ (10) وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ}
وليس فِي السورة كلها"ثاء"فاصلة.
بل لسي فيها حرف ثاء ، على الإطلاق.
وعلى مذهبهم ، كانت الفواصل تُرعى بمثل لفظ: فخَّبْر ، لمشاكلة رءوس الآيات بالعدول إلى هذا اللفظ ، عن:"فحدثْ"
ونرى والله أعلم ، أن حذف كاف من:"وما قلى"مع دلالة السياق عليها ، تقتضيه حساسية مرهفة بالغة الدقة واللطف ، هي ما تحاشى خطابه رسوله المصطفى ، فِي موقف الإيناس ، بصريح القول: وما قلاك.