والجواب عن ذلك: أن النهي لم يكن عن السجع نفسه وإنما النهي عن حكم الكاهن الوارد باللفظ المسجوع. ألا ترى لما أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فِي دية الجنين بِغرّة: عبد أو أمَة ، قال الرجل: أأّدِى من لا شرب ولا أكل ، ولا نطق فاستهل ، ومثل ذلك يُطَلّ ؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:"أسجعاً كسجع الكهان"؟
"فالسجع إذن ليس بمنهي عنه ، وإنما المنهي عنه هو الحكم المتبوع فِي قول"
الكاهن ... أي: أحُكماً كحكم الكهان ... ؟ وإلا فالسجع الذي أتى الرجلُ لا بأس به ، وكلامه حسن من حيث السجع ، وليس بمنكر لنفسه وإنما المنكر هو الحكم الذي تضمنه فِي امتناع الكاهن أن يَدِى الجنين ...
"واعلم أن الأصل فِي السجع إنما هو الاعتدال فِي مقاطع الكلام. ومع هذا فليس الوقوف فِي السجع عند الاعتدال فقط ، ولا عند تواطؤ الفواصل على حرف واحد ، إذ لو كان فِي ذلك هو المراد من السجع لكان كل أديب سجَّاعاً ، وما من أحد منهم ، ولو شدا شيئاً يسيراً من الأدب ، إلا ويمكنه أن يؤلف ألفاظاً مسجوعة ويأتي بها فِي كرمه ، بل ينبغي أن تكون الألفاظ المسجوعة حلوة حادة طنانة رنانة ، لا غثة ولا باردة. وأعني بقولي: غثة باردة ، أن صاحبها يصرف نظره إلى السجع نفسه من غير نظر إلى مفردات الألفاظ المسجوعة وما يشترط لها من الحسن ، ولا إلى تركيبها وما يشترط له من الحسن ..."
"وهذا مقام تزل عنه الأقدام ولا يستطعيه إلا الواحد من أرباب هذ الفن بعد الواحد. ومن أجل ذلك كان أربابه قليلاً."