"النوع الأول المسجع ، وحَدُّه أن يقال: تواطؤ الفواصل فِي الكلام المنثور على حرف واحد. وقد ذمه بعض أصحابنا من أرباب هذه الصناعة ، ولا أرى لذلك وجهاً سوى عجزهم أن يأتوا به ، وإلا فلو كان مذموماً لما ورد فِي القرآن الكريم ، فإنه قد أتى منه بالكثير حتى إنه ليؤتى بالسورة جميعاً مسحوعة ، كسورة الرحمن وسورة القمر وغيرهما. وبالجملة فلم تخل منه سورة من السور."
"وقد ورد على هذا الأسلوب من كلام النبي - صلى الله عليه وسلم - شيء كثير أيضاً ... فإن قيل: إن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لبعضهم منكراً:"أسجعاً كسجع الجاهلية. أو"كسجع الكهان"ولولا أن السجع مكروه لما أنكره النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فالجواب عن ذلك أنا نقول: لو كره النبي - صلى الله عليه
وسلم - السجع مطلقاً لقال"أسجعاً ؟"ثم سكت .. فلما قال:"أسجعاً كسجع الكهان"صار المهنى معلقاً على أمر وهو إنكار الفعل لم كان على هذا الوجه. فعُلم أنه إنما ذم من السجع ما كان مثل سجع الكهان لا غير ، وأنه لم يذم السجع على الإطلاق ، وقد ورد فِي القرآن الكريم. وهو ، - صلى الله عليه وسلم - ، قد نطق به فِي كثير من كلامه حتى إنه غيَّر الكلمة عن وجهها إتباعاً لها بأخواتها من أجل السجع ، فقال لابن بنته عليهما السلام:"أعيذه من الهامة والسامَّة ، وكل عين لأمة".
وإنما أراد"ملمة"لأن الأصل فيها من: أَلَّم فهو مُلِمّ. وكذلك قوله عليه الصلاة والسلام:"ارجعن مأزورات غير مأجورات"وإنما أراد: موزورات من الوز ، فقال: مأزورات ، لمكان"مأجورات"طلباً للتوازن والسجع. وهذا مما يدلك على فضيلة السجع.
"على أن هذا الحديث النبوي الذي يتضمن إنكار سجع الكهان ، عندي فيه نظر ، فإن الوهم يسبق إلى إنكاره ، يقال: فما سجع الكهان الذي يتعلق الإنكار به ونهى عنه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ؟"