"فإذ صفى الكلام المسجوع من الغثاثة والبرد ، فإن وراء ذلك مطلوباً آخر وهو أن يكون اللفظ فيه تابعاً للمعنى ، لا أن يكون المعنى تابعاًُ للفظ فإنه يجيء عند ذلك كظاهر مُمَوَّهٍ على باطن مشوَّه ، ويكون مثله كغِمدٍ من ذهب على نصل من خشب. وكذلك يجرى الحكم على الأنواع الباقية ، من التجنيس والترضيع وغيرهما"ولخص"ابن الأثير"مذهبه فِي السجع البليغ فحدد له شرائطاً أربعا: اختيار مفردات الألفاظ ، واختيار التركيب ، وأن يكون اللفظ تابعاً للمعنى ، وأن تكون كل من الفقرتين المسجوعتين دالة على معنى غير الذي دلَّت عليه أختها ، فهذه شرائط أربع لابد منه للسجع البليغ.
و"ابن أبي الإصبع"البلاغي المصري - ت: 654 هـ - لا يبدو فِي كتابه
(بديع القرآن) مستقراً على رأي فِي الموضوع: فهو فِي باب"ائتلاف الفاصلة مع ما يدل عليه سائر الكلام"- وهذا الباب عنده من مخترعات قدامة بن جعفر ، وسماه مَنْ بعده: (التمكين) - يقول ما نصه:"وكل مقاطع آي الكتاب العزيز لا تخلو من أن تكون أحد الأقسام الأربعة - لائتلاف الفاصلة ، وهي: التمكين ، والتصدير ، والتوشيح ، والإيغال - ولهذا تسمى مقاطعة فواصل لا سجعاً ولا قوافي ، لاختصاص القوافي بالشعر ، والسجع بالمنافرة ، مأخوذ من سجع الطائر"فتفهم من هذا ، أنه مع الذين تفوا وجود السجع فِي القرآن. لكنه لا يلبث فِي"باب التسجيع"أن يعده فناً من بديع القرآن ، ويستشهد لضَرببيه - المتماثل والمتقارب - بالآيات الأولى من سورة"ق"وسورة"الرحمن"وكأنه تحاشى القول صراحة بالسجع فِي القرآن ، ثم لما وصل إلى باب التسجيع ، شق عليه ألا يقدم نماذجه العليا من الفواصل القرآنية ، فِي (بديع القرآن) .