السجع ورعاية الفواصل:
وأنتقل إلى النظر فِي الفواصل القرآنية التي شغلت السلف واختلفوا فيها اختلافاً بعيداً.
ولا خلاف بينهم أعلمه فِي أن لفواصل القرآن إيقاعها الفريد وبلاغتها العليا ، لكن الخلاف فِي شأن هذه الفواصل ، هل هي من قبيل ما يعرف بالسجع فِي فنون البديع ، أو هي شيء آخر غيره ؟
ومنذ بدأ عصر التأليف فِي الدراسات القرآنية والبلاغية ، أخذت قضية الفواصل موضعها من عناية الأجيال الأولى من علماء العربية وأن لم تستقل بمباحث مفردة بل جاءت عارضة فِي ثنايا المصنفات القرآنية المبكرة:
فأبو عبيجة ، معمر بن المثنى البصري - 310 هـ - يقف بين حين وآخر فِي متابه (مجاز القرآن) عن الفاصلة إذا لحظ فيها عدولاً عن مألوف الاستعمال اللغوي ، موجهاً همه إلى الاحتجاج لهذا العدول بأن"العرب تفعل ذلك فِي كلامها"وهي العبارة التي تلقانا كثيراً فِي كتاب مجاز القرآن.
كذلك لم يعرض"الفراء أبو زكريا الكوفي"- 207 هـ - لمسألة الفواصل عرضاً مباشراً فِي متابه (معاني القرآن) ولكنه فِي توجيه الآيات ، وترجيحه بين القراءات. يصرح بأن القرآن يراعي الفاصلة: فيقدم أو يؤخر أو يحذف ، ويؤثر لفظاً على آخر فِي معناه ، أو يعدل عن صيغة للكلمة إلى صيغة أخرى ، رعاية"لمشاكلة المقاطع ورءوس الآيات ، وكأنه نزل على ما يستحب العرب من موافقة المقاطع".
وعلى كثرة ما عرض"الفراء"للفواصل القرآنية وبخاصة فِي السور المكية ،
لم يذكرها باسم الفواصل وإنما هي عنده رءوس آيات. وقد تحاشى القول"بالسجع"فيها ، وإن ثبت على مذهبه فِي أن النظم القرآني يرعاها قصداً إلى الجرس الصوتي ومشاكلة المقاطع.
وحتى القرن الثالث للهجرة ، كان التحرج واضحاً من القول بالسجع فِي القرآن ، وكأنما كان الحس المؤمن ينبو عن هذه الكلمة ، لكثرة ما أطلقت عن قديم على سجع الكهان.