من الظواهر الأسلوبية اللافتة فِي البيان القرآني ، ظاهرة الاستغناء عن الفاعل التي توزعت فِي دراستنا وكتبنا بين أبواب شتى متباعدة ، لا تعطي سر هذا الاستغناء.
فأنت تقرأ فِي علم الصرف كيفية بناء الفعل للمجهول وصيغ المطاوعة ، وتقرأ فِي علم النحو أحكام نائب الفاعل ، أما لماذا حُذف الفاعل وبني فعله للمجهول ، فذلك موضوع آخر تدرسه فِي علم آخر هو علم المعاني التي انفصلت عن الإعراب فعاد هذا الإعراب صنعة ، وهو فِي الأصل مناط المعنى. كما تدرس فِي علم البيان إسنادَ الفعل إلى غير فاعله على سبيل المجاز.
دون أن يحاول أحد الدراسين فيما أعلم ، أن يجمع هذا الشتاتَ المنتثر لظاهرة أسلةبية واحدة ، لاستجلاء سرها الذي من أجله تستغنى العربية عن الفاعل فتسنده إلى غير فاعله ، بالبناء للمجهول أو المطاوعة أو الإسناد المجازي.
وقد لفتني اطراد ظاهرة الاستغناء عن الفاعل فِي البيان القرآني ، فِي موقف القيامة ، أما بالبناء للمجهول فِي مثل آيات:
{فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ (13) وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً}
{إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا (4) وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا}
{يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا (18) وَفُتِحَتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ أَبْوَابًا (19) وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا}
{كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا}
{وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى}
{فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ (8) وَإِذَا السَّمَاءُ فُرِجَتْ (9) وَإِذَا الْجِبَالُ نُسِفَتْ}