والثبات في ذلك هو في أمر الحفظ.
قوله رحمه الله: (باب تحريض النبي صلى الله عليه وسلم وفد عبد القيس) ، النبي عليه الصلاة والسلام حرضهم وحثهم على حفظ هذا العلم الذي أخبرهم إياه، حتى يبلغوا به من وراءهم، والنبي صلى الله عليه وسلم إنما نوع الجواب على اختلاف حاجة الناس، وهذا يظهر في كثير من الأسئلة التي توجه إلى النبي عليه الصلاة والسلام، تارة يسأل: (أي العمل أفضل؟ فيقول: الصلاة على وقتها) ، وتارة يسأل: (أي العمل أفضل؟ فيقول: أن تطعم الطعام وتقرأ السلام) ، ويسأل تارة: (أي العمل أفضل؟ فيقول: الإيمان بالله ثم الجهاد في سبيل الله) ، اختلف الجواب لاختلاف حال السائلين، وهكذا ينبغي أن يكون العالم الرباني ينظر إلى حال الإنسان، إذا كان من أهل كمال التوحيد والعناية بذلك ومعرفة مقداره والعمل به، ولكن لديه قصور في جانب من جوانب الإنفاق والصدقة أو نحو ذلك يحثه على جانب الإنفاق، (أن تطعم الطعام، وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف) ، كذلك جانب الصلاة إذا رأى أن لديه تقصيرًا في جانب الصلاة أو نحو ذلك فسأله الوصية يوصيه بالتمسك بالصلاة على وقتها وهكذا، فيختلف الجواب حينئذ باختلاف حال السائل.
والنبي صلى الله عليه وسلم لما جاءه وفد عبد قيس سألهم فقال: (من الوفد أو من القوم) ، وفي هذا أنه يستحب للإنسان إذا قدم إلى أحد ولم يعرف بنفسه أن يسأله من أنت؟ من أي بلد؟ من أي قوم؟ أو نحو ذلك فإن هذا أدعى لتقديره ومعرفة حاله، فربما يكون سيدًا في قومه ولم تعطه قدره، فينفر ويحتاج إلى تأليف، وربما يكون شخصًا جاء من مكان بعيد وتظن أنه جاء من بلدك، ويختلف التعامل مع من جاء إليك قاصدًا من بلد بعيد، فهذا ينبغي أن يقدر أكثر من غيره؛ لأنه جاء من شقة بعيدة قاصدًا، فيلان معه، ويكرم إكرامًا يليق بالمشقة التي وقعت له، بخلاف الذي يأتيك من طرف مدينتك، وهكذا؛ ولهذا النبي عليه الصلاة والسلام قال: (من الوفد ومن القوم؟) فأجابوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنقول: إنه ينبغي للإنسان أولًا أن يعرف بنفسه.
وقد تقدم معنا في قول ضمام بن ثعلبة: أنا ضمام بن ثعلبة أخو بني سعد بن بكر، يعني أنه عرف بنفسه لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وهنا النبي عليه الصلاة والسلام سأل عن القوم؟ فأجابوه في ذلك حتى يجيبهم النبي صلى الله عليه وسلم فيعلم مقدار الجهل فيهم، ويعلم مقدار الخطأ الذي يقعون فيه، ربما يكثر في بلد نوع من المخالفات الشرعية فيعرف أحوالهم فيجيبهم بمقدار ما عندهم من خطأ، إذا انتشر عندهم مثلًا شهادة الزور، انتشر عندهم الكذب، انتشر عندهم الشرك، انتشر عندهم الزنا، انتشر عندهم السفور، انتشر عندهم الفاحشة، يقوم بإجابتهم بحسب ما لديهم، هذا هو العالم الرباني الذي يعرف أحوال الناس وأمراضهم