فهرس الكتاب

الصفحة 40 من 86

أرسلت به) قال أبو عبد الله: قال إسحاق: وكان منها طائفة قيلت الماء].

وهذا في فضل علم من علم وعلم، وذلك أن الإنسان إذا علم غيره الخير فإن الأجر في ذلك يبقى ما بقي العلم وبقي العمل، وهذا فضل الله عز وجل يؤتيه من يشاء، كثير من الناس الذين وفقهم الله عز وجل إلى العلم ووفقهم إلى البلاغ بقي ذلك العلم ينتفعون به بعد موتهم، والأئمة الذين بلغوا الدين بعد النبي عليه الصلاة والسلام كان لهم الأجر بقدر بلاغهم، وكل الأمة التي تعمل بالعبادة وشيء من القربى فأجرها يأتي لرسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأنه بلغ العلم، كذلك أيضًا الصحابة بمقدار تبليغهم يلحقهم في ذلك الأجر من هذا النوع.

ولهذا كم من الأمة يصلون ويزكون ويصومون ويحجون ويسبحون ويهللون ويتصدقون وغير ذلك من أعمال البر إنما أجرها لمن بلغه، لا تعلم أنت من بلغها لكن الله عز وجل يعلمه، من أين أتت؟ ما هي الواسطة؟ ما هي السلسلة العريضة التي بينك وبين النبي عليه الصلاة والسلام؟ إن كنت تغفل عنها فالله عز وجل يعلمها، ويؤتي كل واحد أجره، وبمقدار الأتباع وانتشار العلم يكون الأجر؛ ولهذا العلماء الصادقون في هذا الأمر يتقدمون غيرهم يوم القيامة بمقدار بلاغهم للناس.

وهنا شبه النبي عليه الصلاة والسلام الإنسان، والعلم أنه بحال الغيث، وهذا فيه إشارة إلى أن الإنسان إذا كان عالمًا أو داعية إلى الله عز وجل يتنقل بحسب مواضع العلم، لا بحسب رغباته النفسية وحاجته، أو في الموضع الذي يصدر فيه، أو يكون وجيهًا، أو نحو ذلك لا، بل بحسب مواضع البلاغ، النبي عليه الصلاة والسلام ترك مكة وهي أفضل من المدينة أوليس كذلك؟ أفضل، وهي أحب البقاع إلى الله، انتقل النبي عليه الصلاة والسلام إلى المدينة؛ لأنها أخصب لقبول الحق؟ فأرض العالم هي التي يجد فيها قبولًا لعلمه لا قبولًا لدنياه ونحو ذلك؛ لهذا ينبغي عليه أن يصبر ولو كان بعيدًا، النبي عليه الصلاة والسلام ما خرج من مكة وهو يرغب في نفسه المتجردة بالخروج منها، وإنما كان يريد البقاء فيها، ولكن لما تعذر قبول كفار قريش للحق ارتحل إلى المدينة.

ولهذا نقول: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم هو أول المرتحلين في تبليغ الحق من هذه الأمة، فيجب على العلماء من ورثته أن يسلكوا طريقه لتبليغ الناس والذهاب إليهم كما كان النبي عليه الصلاة والسلام يصنع، لما استعصى عليه كفار قريش في قبول الحق يذهب إلى أمراء القبائل، ويقول: (ألا من يحملني لأبلغ كلام ربي) ، يعني: يبلغ ذلك الوحي الذي عنده، يريد شخصًا يحمله لبلاغ الحق، فهذا من الأمور الواجبة أن يتخذ الإنسان سبيلًا في تبليغ الحق.

ثم ينظر إلى موضع البلاغ أن الناس كحال الأراضي: منها ما تمسك الماء فيأتي الناس ويشربون ويغادرون،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت