فهرس الكتاب

الصفحة 18 من 86

انتهى به المجلس، وفي هذا ترجم البخاري رحمه الله أن الإنسان يقعد حيث انتهى به المجلس، سواء كان حاضرًا في مجلس علم، أو في مجلس عامة، وأما حجز المكان فهذا يورث الإنسان شيئًا من الكبر، وكذلك أيضًا البغي وربما الظلم، ويوغر النفوس في بعضها البعض؛ ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم وهو من هو في المنزلة لم يتخذ مكانًا له عليه الصلاة والسلام في مجلس إلا في موضع العبادة كمحراب الصلاة ومنبر الجمعة وغير ذلك، هذا ليس لمقام الذات وإنما لمقام البلاغ ومصالح الشرعية.

وأما مسألة الجلوس فكان النبي عليه الصلاة والسلام يجلس كما يجلس أصحابه سواسية؛ ولهذا جاء في الخبر في صحيح البخاري (لما جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة جلوس، قال الأعرابي: أيكم ابن عبد المطلب -يعني: لا يستطيع أن يميز بينهم، باعتبار أن جلسة النبي عليه الصلاة والسلام كجلستهم، ولبسه عليه الصلاة والسلام كلبسهم- فقالوا: هذا الرجل الأبيض المتكئ على سارية، فجاء إليه فقال: ابن عبد المطلب؟ فقال: نعم) ، إشارة إلى أنه ينبغي للإنسان أن يجلس كما يجلس أصحابه، إذا جلسوا على الأرض يجلس معهم، وإذا رآهم قيامًا يقوم معهم، وإذا رآهم متكئين يتكئ معهم، وألا يبرز أمامهم، فإذا كان على موضع من المواضع البارزة فهذا يورث الإنسان شيئًا من الكبر والأنفة عليهم أو نحو ذلك، وهذا من الأمور المذمومة.

وكذلك أيضًا فيما يتعلق بمجالس العلم لا يجلس المعلم في موضع يمتاز عنهم إلا لأجل بلاغ كالمنبر أو المحراب أو غير ذلك في أمور العبادة التي يبلغ بها الناس؛ ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم وضع منبرًا له حتى يبلغ الناس فيراه الناس، يعني: من جهة سماع قوله ونصحه، وكذلك أيضًا مشاهدته، فإن المشاهدة مع الكثرة من الأمور المطلوبة.

وهنا في قول المصنف رحمه الله: (باب من قعد حيث ينتهي به المجلس، ومن رأى فرجة في الحلقة فجلس فيها) ، يعني: أن الإنسان يلتمس فرجة لنفسه، كذلك أيضًا ينبغي للناس إذا كانوا غير متراصين أن يتراصوا حتى يجد الإنسان الوافد إلى مجالس العلم فرجة، فيحصل لهم الأجر في ذلك.

وفي هذا الحديث أيضًا إشارة إلى أنه ينبغي للإنسان إذا حضر مجلسًا من مجالس العلم ألا يغادره حتى ينتهي، وألا ينصرف فهذا أمارة على عدم المبالاة، وربما يكون شعبة من شعب النفاق، فإذا سمع الإنسان أحدًا يتحدث في مجلس بذكر الله سبحانه وتعالى فإنه يتأكد في حقه الجلوس، بل قال بعض العلماء بوجوب ذلك، ولو أن يسمع شيئًا يسيرًا، فلو كان منشغلًا يسمع لدقائق ونحو ذلك، كمن لديه من المشاغل، أو لديه من المواعيد ونحو ذلك التي لا يستطيع إخلافها، وأما غيره فعليه أن يجلس حتى ينتهي المحدث، وإذا كان الوقت طويلًا يجلس ولو شيئًا يسيرًا يزكي به نفسه بامتثال ذلك الأمر، وكذلك قطعًا للنفس عن الأنفة والكبر

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت