مالكقال: كتب النبي صلى الله عليه وسلم كتابًا أو أراد أن يكتب، فقيل له: إنهم لا يقرءون كتابًا إلا مختومًا، فاتخذ خاتمًا من فضة نقشه: محمد رسول الله، كأني أنظر إلى بياضه في يده، فقلت لقتادة: من قال: نقشُه محمد رسول الله؟ قال: أنس].
هنا في قول المصنف رحمه الله (باب ما يذكر في المناولة وكتاب أهل العلم بالعلم إلى البلدان) بيان أهمية المناولة في العلم، وكذلك الكتابة، وأن الإنسان ربما لا يصل بكلامه بقوله إلى الناس بالعلم، فيجب عليه أن يكتب إليهم، فالكتاب سنه رسول الله صلى الله عليه وسلم لهذه الأمة بالبلاغ، وذلك أخذًا لكلام الله عز وجل فإنه عند الله تعالى سبحانه وتعالى مكتوب، وقد أبلغه الله جل وعلا نبيه صلى الله عليه وسلم بواسطة جبريل بلاغًا، فسمعه النبي صلى الله عليه وسلم من جبريل، وأبلغه رسول الله صلى الله عليه وسلم أمته.
وفيه أهمية الكتاب إلى أهل البلدان وأهل الآفاق وتعلميهم، وكذلك أيضًا تصنيف الكتب في العلم، وهذا بحسب حاجة الناس، يكتب العالم في ذلك، وهذا له هدي وسلف، ويكفي في ذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يكتب إلى البلدان، فكتب النبي عليه الصلاة والسلام إلى ملك البحرين، وكسرى، وقيصر، وملك مصر، ودومة الجندل وغير ذلك من البلدان، وكتب النبي صلى الله عليه وسلم أيضًا إلى عماله، وكان يكتب ويعطي أصحاب السرايا، وغير ذلك من الكتب التي يريد بها النبي صلى الله عليه وسلم التعليم والبلاغ وإقامة الحجة.
فربما يبلغ الإنسان بكتابه ما لا يبلغ بقوله؛ ولهذا ابن الجوزي رحمه الله كان يسمي الكتاب الابن المخلد، يعني: أنه يبقى من إرث الإنسان فينفع الله عز وجل به، وينسب إليه كتاب يبقى ما بقي ما أبقاه الله سبحانه وتعالى إلى أمد الدهر، فينتفع به الناس، فيكون من العلم الذي ينتفع به.
كذلك أيضًا فإن البلاغ في مسألة العلم في الناس ولو لم يكن ذلك بكتاب فإن هذا مما ينفع الله عز وجل به، فيعلم الإنسان الخير تعليمًا للناس ولو انقدح في أذهانهم ولو لم يدونوه، فينقله الإنسان إلى ابنه أو أصحابه أو تلاميذه، ثم يوجه التلاميذ إلى من بعدهم، فالله عز وجل يعلم العلم المنقول في الأذهان كما يعلم سبحانه وتعالى العلم المنقول في الكتب، فكم من العلوم موجودة في أذهان الناس لا يعلمون من أين أتت إليهم؟ وإنما تناقلوها كما يتناقلون الكتب المدونة؛ لهذا نقول: إن الله عز وجل يثيب الإنسان على ما يبلغ به الناس، سواء كان بلسانه أو كان بقلمه، وجرى على هذا الصحابة عليهم رضوان الله تعالى بتبليغ الدين سواء كان باللسان أو كان بالكتاب؛ ولهذا نسخ عثمان بن عفان المصاحف، ثم وزعها على البلدان حتى ينتشر، وكان له عظيم الأجر والثواب في هذا، فكانت الأمة إلى اليوم على هذه المصاحف التي نسخها عثمان، لما كان سببًا لها وإن لم يدونها بيده عليه رضوان الله تعالى لكنه كان سببًا في الجمع، وكذلك أيضًا في النسخ كان لها الأثر