(8) تفضُّل الله عزوجلَّ وامتنانه على عباده، وإحسانه إليهم يوم القيامة وذلك بعفوه عنهم بعد تقريرهم بذنوبهم، وإقرارهم بها بين يدى الله عزَّوجلَّ ووجه الدلالة من الحديث قول النبى صلى الله عليه و سلم: (فيتجاوز عنه) و مما يدل على ذلك و يؤيده حديث ابن عمر رضى الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: (إِنَّ اللَّهَ يُدْنِي الْمُؤْمِنَ فَيَضَعُ عَلَيْهِ كَنَفَهُ وَيَسْتُرُهُ فَيَقُولُ أَتَعْرِفُ ذَنْبَ كَذَا أَتَعْرِفُ ذَنْبَ كَذَا فَيَقُولُ نَعَمْ أَيْ رَبِّ حَتَّى إِذَا قَرَّرَهُ بِذُنُوبِهِ وَرَأَى فِي نَفْسِهِ أَنَّهُ هَلَكَ قَالَ الله عزّ وجلًّ إنِّى سَتَرْتُهَا عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا وَأَنَا أَغْفِرُهَا لَكَ الْيَوْم)
رواه البخارى في كتاب المظالم [باب قول الله: ألا لعنة الله على الظالمين]
ورواه مسلم في كتاب التوبة [بَاب قَبُولِ تَوْبَةِ الْقَاتِلِ وَإِنْ كَثُرَ قَتْلُهُ]
(9) أن البلاء الذى يصيب المؤمن مهما كان قليلًا يكون سببًا لتكفير السيئات، و محو الذنوب و الخطايا ومما يؤيد ذلك حديث أبى هريرة رضى الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه و سلم:
"مَا يُصِيبُ الْمُسْلِمَ مِنْ نَصَبٍ وَلَا وَصَبٍ وَلَا هَمٍّ وَلَا حُزْنٍ وَلَا أَذًى وَلَا غَمٍّ حَتَّى الشَّوْكَةِ يُشَاكُهَا إِلَّا كَفَّرَ اللَّهُ بِهَا مِنْ خَطَايَاهُ"
رواه البخارى في كتاب المرضى [بَاب مَا جَاءَ فِي كَفَّارَةِ الْمَرَضِ وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ]
وروا مسلم في كتاب البر و الصلة و الأداب [باب ثَوَابِ الْمُؤْمِنِ فِيمَا يُصِيبُهُ مِنْ مَرَضٍ أَوْ حُزْنٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ]
(10) فى الحديث تفسير لقول الله تعالى: {فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ (7) فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا (8) } و هو أن الحساب اليسير في الآية هو مجرد عرض الذنوب على العبد و تقريره بها و اعتراف العبد بها ثم يتجاوز الله عنه ويستره كما ستره في الدنيا ويغفرها له يوم القيامة و يؤيد هذا حديث عائشة رضى الله عنها قالت: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"مَنْ حُوسِبَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عُذِّبَ فَقُلْتُ: أَلَيْسَ قَدْ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: {فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا} فَقَالَ: لَيْسَ ذَاكِ الْحِسَابُ إِنَّمَا ذَاكِ الْعَرْضُ مَنْ نُوقِشَ الْحِسَابَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عُذِّبَ"
رواه البخارى في كتاب العلم [باب مَنْ سَمِعَ شَيْئًا فَلَمْ يَفْهَمْهُ فَرَاجَعَ فِيهِ حَتَّى يَعْرِفَهُ]
ورواه مسلم في كتاب الجنة و صفة نعيمها و أهلها [بَاب إِثْبَاتِ الْحِسَابِ]
ففى هذا الحديث بين النبى - صلى الله عليه وسلم - أن الحساب الذي يكون صاحبه هالكًا هو الحساب مع المناقشة، وذلك بعد أن استشكلته عائشة مع قوله تعالى: {فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ (7) فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا (8) وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا} حيث أن الآية أثبتت الحساب مع النجاة، وبهذا البيان من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يتبين أنه لا منافاة بين الآية والحديث، فالهلاك الذي يكون لمن حوسب فيما إذا نوقش الحساب، والنجاة التي تكون لمن حوسب حسابًا يسيرًا فيمن لم يناقش الحساب، وهذا هو وجه الجمع بين الآية والحديث.
(11) أنَّ كل إنسان له كتاب يُكْتَبُ فيه عَملُه من الخير، و الشرِّ،، و الصغير، و الكبير، و أن الإنسان يلقى كتابه يوم القيامة، و يقرأ ما فيه، و يؤيد ذلك من القرآن ما يلى:
أولًا: قال تعالى:
{وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا * اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا} (الإسراء 13: 14)
ثانيًا: قال تعالى:
{وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا} (الكهف49)
(12) تواضع النبى صلى الله عليه و سلم، و هضمه لحق نفسه حيث أن الله قد غفر له ما تقدم من ذنب و ما تأخر، و مع ذلك يسأل ربه أن يحاسبه حسابًا يسيرًا، و هو بلا شك أول من يدخل الجنة بغير حساب و لا عذاب.
(13) إذا كان النبى صلى الله عليه و سلم، و هو من هو في تقواه لربه، و أداءً لحق ربه، و غفران لذنوبه ما تقدم منها و ما تأخر يسأل ربه أن يحاسبه حسابًا يسيرًا. فغير النبى صلى الله عليه و سلم ممن كثرت ذنوبهم، و زادت خطاياهم أن يسأل الله عز و جل، و يبتهل إليه أن يحاسبه حسابًا يسيرًا.