و (1) كلام شيخ الإسلام في الفقه ليس موجودًا في مصنف معروفٍ له (بما أنه) لم يُؤلِّف مؤُلَّفًا في الفقه استوعب فيه مسائل الفقه حتى يكون هذا الكلام دراسة لما كتبه في ذلك المصنف وإنما كان كلامه في الفقهيات مباشرًا إما على شكل بحوث في بعض مؤلفاته وإما على صورة فتاوى أجاب بها المستفتين وإما على شكل قواعد أوردها أو نقول نُقلت عنه عن طريق تلامذته ونحو ذلك ولهذا نقول: إن الناظر في كلام شيخ الإسلام ابن تيمَّية في الفقه ينبغي له أن يكون مستحضرًا مزايا كلام شيخ الإسلام التي سلفت وأن يتنبه أيضًا لما سيأتي من خصائص كلامه في الفقهيات -رحمه الله تعالى- شيخ الإسلام كما هو معلوم أحد المجتهدين الكبار وأُطلق عليه أنه مجتهد مطلق. وهو في الحقيقة جمع بين أنواع الاجتهاد فهو مجتهد مطلق يعني: لا يتقيد بمذهب من المذاهب وكذلك هو مجتهد في مذهب يعني في المذهب الحنبلي الذي درسه وتتلمذ له أول حياته وهو مجتهد أيضًا في التخريج في المذهب وهو مجتهد أيضًا في الفتوى. فهذه أنواع من طبقات المجتهدين فالمجتهد تارة يكون مجتهدًا مطلقًا وهو أعلاها وتارة يكون مجتهدًا في المذهب وتارة يكون مجتهدًا في التخريج وتارة يكون مجتهدًا في الفتوى وفوق ذلك كله أن يكون مجتهدًا مستقلًا كالأئمة الأربعة -رحمهم الله- ونحوهم كابن حزم الذين اجتهدوا في الأصول وفي الفروع ونعني بالأصول يعني أصول الفقه والكلام على الرجال وأن لا يقلدوا غيرهم في الحكم على أي وسيلة من وسائل إثبات الحكم الشرعي؛ لهذا شيخ الإسلام كان مجتهدًا في هذه الجميع وهذه لها أثر إذا استحضرتها في رعاية كلامه ومواقع حُججه وبِّيناته.
مزايا كلامه - رحمه الله - في الفقه.
أولًا: إذا صور المسائل فإنه يصورها - في الغالب - مبنى تصوير الحنابلة -رحمهم الله- في تلك المسائل فإنه درس المذهب الحنبلي وتتلمذ له وقرأه وحفظ منه ما حفظ وتصويره للمسائل التي عرضها مبنيٌّ على تصوير الحنابلة -رحمهم الله- وهذا يعني أن فهم كلامه في الفقهيات لابد أن يُقدِّم الناظر فيه لنفسه بالنظر في كتب الحنابلة حتى يكون تصوير المسألة واضحًا، حتى تكون صورة المسألة في ذهنه مطابقة لما سيصفه شيخ الإسلام ابن تيميَّة ومن الأخطاء في ذلك أن من الناس مَنْ يأخذ صورة المسألة وطريقة عرضها من بعض كتب الشافعية المجموعة أو من بعض كتب المذاهب الأُخر كالمُحلَّى أو نحو ذلك ثم ينظر في كلام عالم كشيخ الإسلام ابن تيميَّة فيحصل له خَلَلٌ يقل أو يكثر في صورة المسألة في الذهن لا شك أنه ما سيكون بعد ذلك من الاستدلال والتعليل سيكون في التصور ناقصًا.
ثانيًا: المزية الثانية من كلام شيخ الإسلام -رحمه الله- أنه يتميز بكلامه الفقهي بسعة اطلاعه على مذاهب الناس فهو واسع الاطلاع في المذهب الحنبلي ويورد الروايات عن الإمام أحمد روايتين وثلاثًا وربما أكثر في بعض المسائل، ويورد الأقوال في المذهب أيضًا وأسماء أصحابها ويورد أحيانًا أقوال الأئمة الآخرين بقية الأئمة الأربعة واختلاف الأقوال عنهم وكذلك يستحضر أو هو واسع الاطلاع في معرفة مذاهب السلف في المسائل؛ ولهذا تميَّز -رحمه الله- باستحضار الأقوال في المسألة حتى إنه يستوعب ما قيل فيها، فلا يتكلم في المسألة إلا بعد أن يعرف المذاهب فيها وهذا يورده بكثرة. فطالب العلم إذا انتبه لهذه الخَصْلة عند شيخ الإسلام -رحمه الله تعالى- لا يشتت ذهنه لأن كثرة إيراد المسائل كثرة إيراد أصحاب الأقوال لتلك المسائل هذه قد تشتت الذهن وطالب العلم يهتم أولًا حين قراءة كلام شيخ الإسلام ابن تيميَّة بصورة المسألة قبل معرفة الخلاف ثم معرفة الخلاف العالي فيها في المذهب لأنه هو الذي (درستموه) وتصوره أقرب ثم بعد ذلك ينتقل إلى الخلاف بين الإمام أحمد والأئمة الآخرين ثم إلى خلاف السلف في ذلك أو خلاف الأئمة المتبوعين الذين اندثرت مذاهبهم كاللَّيْث والأوزاعي وابن جرير ... إلى آخر ذلك فإن شيخ الإسلام لسعة علومه يخلط هذه جميعًا وخلطها لا شك أنها من أسباب كونه مجتهدًا مطلقًا واطلع على كلام الناس وتوسَّع فيه لكن كثرة نقل الخلاف والأقوال ينبغي لطالب العلم أن يَلْحَظَها حتى لا يتشتت ذهنه حين قراءة كلام شيخ الإسلام ابن تيميَّة في الفقه.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)