أسألُ اللهَ أن يقيك شرَ نفسِك وشرَ الشيطان وشَركِه وأن يغفر لي ويعلمني ما ينفعني.
أما عن الظاهرية: فلستُ أهلًا للرد على ما حاكمتهم فيه، غيرَ أن لي ردٌ بسيطٌ على قولِ الإمامِ بن حزمٍ ـ رَحِمَهُ اللهُ ـ من أنه يجوزُ لمَن دخلَ المسجدَ أن يضطجعَ دون أن يصلي لأن النهي كان عن القعودِ.
فكان على الظاهرية ألا يُجّوزوا ذلك، لأن الاضطجاعَ يشتملُ وينطوي على القعودِ، فإن الداخلَ إلى المسجدِ يكونُ واقفًا، ولن يتحولَ من الوقوفِ إلى الاضطجاعِ دون المرور بالقعودِ، وبهذا فإن المضطجعَ قد قعدَّ أولا، والنصُ ينهى عن أن يقعدَّ دون أن يصلي.
وكان المكوثُ واقفًا بلا صلاةٍ مُباحًا بل مُستحبًا إن دخل متأخرًا وخشي ألا يُدرك تكبيرةَ الإحرامِ مع الإمامِ، بينما القعودُ منهيًا عنه، فإذا كانَ ما قبلَ القعودِ وهو الوقوفُ مباحًا فمن باب أولى أن يكونَ ما بعدَ القعودِ من الاضطجاعِ منهياُ عنه.
وكلُ هذا الذي جاءَ في تحليلِ الفكرِ الظاهري لا يعنينا في البحثِ والذي كان من المفترضِ أنه مقتصرٌ على كلامِ الشيخ.
فأن يكونَ الفكرُ الظاهريُّ فكراُ عقليًا يعتمدُ على منطلقاتٍ منطقيةٍ يبني عليها هالةً من القداسةِ الأثريةِ ليُوهِمَ أنه أثري يقدسُ الأثرَ، أو أن يكون فقهًا بالجملةِ أو اجتهادًا رخيصًا أو هو فقهُ العوامِ، فكلُ ذلك من بابِ التعميمِ الذي ينطوي على إسقاطٍ غيرِ دقيقٍ، وليس هذا ببعيد عما أسميته بالاجتهادِ الرخيصِ.
في فقرة: الألفاظ بين التصورِ اللُغوي والتصورِ الشرعي: جئتَ بكلامٍ مفصلٍ يصلحُ لأن يكونَ درساُ تعليميا أكثرَ منه رداُ، فجزاك الله خيراُ، وقد أوضحتَ أن في اللغةِ ما يأتي على وصفِ الحالِ وما يأتي على وصفِ المآلِ، وأوضحتَ ـ بارك اللهُ فيك ـ كيف تنتقلُ الحُرمةُ إلى الزوجِ وأبنائِه لأن اللبنَ للفحلِ، من الجماعِ، وبالتالي فإذا كانت الحرمةُ تنتقلُ إلى الرجلِ وأبنائِه دونَ رضاعٍ، فمن بابِ أولى أن تتحققَ الحرمةُ للمرأة صاحبةِ اللبنِ دون مصٍ أو إلتقام.
وكل هذا طيبٌ جميلٌ، لكنه يصلحُ إذا كان الاختلافُ حول: وقوعِ التحريمِ بالشربِ من عدمه، وليس الأمرُ كذلك وقد صرحَ الشيخُ كما قلت أنت أنه يُوقعُ التحريمَ بالشربِ من الإناء.
والسؤالُ هو: هل كان شربُ اللبنِ مشهورًا ومنتشرًا بحيث أن تفهمَ سهلةُ ـ رضي الله عنها ـ لمّا قالَ لها الرسولُ ـ صلى الله عليه وسلم ـ"أرضعيه"أنه يقصدُ الشربَ؟
إن بحثنا هنا هو: كيف فهمت سهلةُ ـ رضيَّ اللهُ عنها ـ قولَ رسولِ اللهِ ـ صلى اللهُ عليه وسلمَ ـ"أرضعيه"وكيف عملت، في سياق ما كان موجودًا آنذاكَ لا استدراكًا على ما يمكنُ فهمُه فيما بعد بناءًا على هذه الحادثة؟
حُكمُ التحريم بشربِ اللبنِ، هل هو حكمٌ أصلي أم تابعٌ لحكمِ التحريمِ بالرضاعة ومشتقٌ منه؟
هل وردَ قائمًا بذاته في الكتابِ والسنّةِ؟
هل كان شائعًا ومشتهرًا ومنتشرًا بحيثُ أنه أصبحَ معروفاُ من الدين بالضرورة لسهلةَ ـ رضي الله عنها ـ أن"أرضعيه"يُقصدُ بها السقاءُ والشربُ؟
وكأن هنا محاولةٌ للوثوبِ على العقولِ بعملِ قفزة إلى ما تم استباطه وتقريره من أحكام التحريمِ بالشرب بناءًا على ثبوتِ التحريم بالرضاعة، والتي أقرها الفقهاءُ والتابعونَ فيما بعد، ثم العودة بها لتفسيرِ الحادثةِ نفسِها وتحديدًا تفسير فهمِ سهلةَ ـ رضيّ الله عنها ـ لكلمة أرضعيه.
إن أدلة التحريم بالرضاعة من الآيات الكريمة والأحاديث الشريفة واضحةٌ معلومةٌ في القرآن والسنة وفي الحوادث التي حدثت للمسلمين
فأين نجدُ أدلة التحريم بالشربِ والنص عليه كما وجدنا أدلة التحريم بالرضاعة؟
لا شك أن التحريم بالشربِ مشتقٌ من التحريم بالرضاعة، وتابعٌ له وغير ظاهر بذاته مستقلًا في الكتاب ولا في السنة ولا في الحوادث، بما يفيد أنه ليس قائما بذاته معروفًا مشتهرًا بما يجعله مفهومًا أنه هو المقصود ولو جاء الدليل بلفظ أخر مثل"أرضعيه".
وإذا كان من الممكن أن يُصرفَ اللفظُ عن معناه الحقيقي إلى معنى أخرَ شرعي كما ذكرتَ في الأمثلةِ الثلاثةِ والتي نتناولها هنا بشيءٍ من التفصيل في قولِك:ـ
أن: استعطارَ المرأةِ ليجدَ الناسُ ريحَها يُسمى"زنا"
وأن: لعنَ الرجلِ أبا الرجلِ يعني أنه: لعنُ أبيه هو وأمِه
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)