الفهم الصحيح
عضو مميز تاريخ التّسجيل: Apr 2004
المشاركات: 855
تمهيد
الحديث عن الكتب ذو شجون، وهو عند بعض الناس من أعذب الحديث، لما تحويه من علوم وأفكار وتجارب ... لطائفة عظيمة من الناس، تجمعت بين أيديهم بدون تعب ولا نصب، ولذا تتابع العلماء على الاهتمام بالكتاب مهما كان نوع ما تضمنه من علم، فشجعوا على الاهتمام بالكتاب الذي حوى العلوم النافعة من عقيدة وحديث وأثر وفقه وتاريخ ... ، وحذروا من التآليف التي تضمنت البدع والضلالات، والسحر والطلسمات، وكتب المنجمين والعرافين، والفلسفات الفارغة التي لا طائل من ورائها ... ، وقد أتى على شئ من الأحكام الشرعية لبعض ذلك؛ الشيخ أبو عبيدة مشهور بن حسن في طليعة كتابه [كتب حذر منها العلماء] .
ومن صور احتفاء العلماء بالكتاب؛ ذكرهم للأغراض التي ينبغي أن ينحصر فيها التأليف، وتكون معها الفائدة المرجوة من الكتابة والتصنيف، مثل افترا ع المعاني الجديدة، أو إكمال ناقص، أو تصحيح خطأ ... ، وتبع ذلك اهتمامهم بحسن اختيار العنوان الدال على ما تضمنه الكتاب، ثم كان من مهماتهم العناية الفائقة بتصحيحه وضبطه، وفي تغليفه وتزيينه، وفي اختيار ورقه وطرق صناعته، وفي الخط وإجادته، وفي القلم وفضله، وفي حفظ الكتاب عن غير أهله، وفي إعارته و سوء التفريط فيه ... ولهم في ذلك قصص وروائع تناثرت في بطون الكتب، ومن أعظم الناس في المتقدمين اهتماما بالكتاب وحبا له الجاحظ، فقد خص الحديث عن الكتاب وأهميته بفقرات ممتعة في كتابيه [البيان والتبيين] و [الحيوان] ، ومن المتأخرين الشيخ القاسمي وطاهر الجزائري و عبد الحي الكتاني - رحمه الله - وقد رأيته يتحسر على كتاب في مؤلفه [التراتيب الإدارية] ويذكر أنه لو تحصل عليه لساد، وانظر بعض من عرف بشغفه بالكتاب في [عشاق الكتب] لعبد الرحمن الفرحان.
وإنما يقتصر حديثنا هنا عن الكتب الفقهية في مذهب الإمام مالك - رحمه الله - واجتهاد علماء مذهبه في بيان ما يعتمد منها، وما يصلح لأخذ الأحكام الشرعية منه لأعمال المكلفين، وبيان ما لا يعتمد ويجب الاحتراز منه، وطرقهم في أخذ العلم من الكتب عند الحاجة لذلك ... فقد كان اهتمامهم بهذا عظيما مثل إخوانهم من علماء بقية المذاهب الإسلامية، والذي دعا إلى التشديد في اعتماد بعض الكتب دون بعض، واتخاذ منهج صارم في تمحيصها والتشدد في النهي عن اعتماد غير المعروف منها، كثرة المؤلفات والأمالي في المذهب، واختلاف ترجيحاتهم وتفريعاتهم في المسائل الشرعية، لتنوع المدارس الفقهية في المذهب بين عراقية وأندلسية ومصرية وقيروانية ... مما أوجد الكثير من الاجتهادات المختلفة نتيجة لاختلاف البيئات، فرأوا من الواجب عليهم ضبط ذلك كله كي لا يتسع الخلل، ويدخل الفساد على المفتين نتيجة لاختلافات المرجحين والمخرجين.
وقد كان من عناية علماء المالكية بهذا الباب أن جمعوا في ذلك فصولا ممتعة، من ذلك ما ذكره العلامة أبو العباس أحمد الهلالي في مقدمة كتابه [نور البصر في شرح المختصر] ت1175هجرية، وقد طبعت المقدمة طبعة حجرية بالمغرب، ثم جمع العلامة النابغة الغلاوي ما جاء في مقدمة الهلالي في منظمومته المشهورة ب [بوطليحية] فتداولها الناس، وطبعت عدة طبعات، وأبياتها قرابة (310) . ثم جاء بعده الفقيه محمدن بن أحمد فال التندغي، فعمل نظما آخر، قام بشرحه الفقيه محمد عبد الرحمن بن السالك العلوي ت 1397هجرية، وسمى شرحه [عون المحتسب فيما يعتمد من كتب المذهب] تضمن إضافات كثيرة على نظم الشيخين المذكورين. وقد حقق هذا العمل ضمن رسالة علمية من طرف الباحث محمد الأمين بن محمد فَال بن اباه بالمعهد العالي للدراسات والبحوث الإسلامية. (ذكر ذلك محقق بو طليحية يحيي البراء) .
والأصل لأغلب ما يذكره من سبق تناثر و تفرق في كتب الأقدمين من أمثال الشاطبي والقرافي، وفيما نقله الونشريسي في معياره وغيرهم.
وهذه نُبَذ من كلام الأوائل تتضمن مباحث عامة حول الكتب والمصنفات، وكيفية أخذ الفتوى منها، وما يجب أن يتوفر فيها، وما يقدم منها وما يؤخر ....
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)