4 -وقسم عباد جهلة، أغواهم الشيطان، وهؤلاء ليس لديهم من العلم الشيء الذي يجعلهم يميزون فهؤلاء لا يفرقون بين ما هو كرامة، وما هو من خداع الشيطان.
فإذا رأوا أمرًا غريبًا أو سمعوا صوتًا ظنوا أن هذا ملك يخاطبهم، وما علموا بأن الشيطان قد يتمثل في صورة دابة، وكل هذا من مكر الشيطان بعباد الكرامات والذين ليس لديهم من العلم الشرعي ما يفرقون به بين الحق والباطل.
بين المعجزة والكرامة:
اسم المعجزة يعم كل خارق للعادة في اللغة وأيضًا في عرف الأئمة المتقدمين كالإمام أحمد وغيره، ويسمونها الآيات لكن كثيرًا من المتأخرين يفرق في اللفظ بينهما، فيجعل المعجزة للنبي والكرامة للولي. وجماعهما الأمر الخارق للعادة.
فالمعجزة، أمر خارق للعادة مقرون بالتحدي سالم من المعارضة والمعجزة تكون حسية وتكون معنوية.
فالحسية هي المشاهدة بالبصر، كخروج الناقة، وانقلاب عصى موسى حية.
أما المعنوية، كمعجزة القرآن.
وقد أوتي نبينا -صلى الله عليه وسلم- من كل ذلك، فمن المحسوسات: انشقاق القمر، وحنين الجذع، ونبع الماء من بين أصابعه، وتسبيح الطعام، وغيرها.
ومن المعنويات. المعجزة الباقية الخالدة وهو القرآن.
أما الكرامات، فهي للأنبياء وللأولياء، وثبوتها للأولياء حق، وهو ظهور الأمر الخارق للعادة على أيديهم، وإن لم يعلموا كقصة أصحاب الكهف وأصحاب الصخرة، وكلها معجزات لأنبيائهم وكنداء عمر لسارية وككتابته إلى نيل مصر، وكخيل العلاء بن الحضرمي، وسيأتي تفصيل هذه بعد قليل بزيادة إيضاح وأمثله.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى-"فما كان من الخوارق من باب العلم، فتارة بأن يسمع العبد ما لا يسمعه غيره وتارة بأن يرى ما لا يراه غيره يقظة ومنامًا، وتارة بأن يعلم ما لا يعلم غيره وحيًا وإلهامًا أو إنزال علم ضروري أو فراسة صادقه، ويسمى كشفًا ومشاهدات ومكاشفات ومخاطبات، فالسماع مخاطبات والرؤية مشاهدات والعلم مكاشفة، وما كان من باب القدرة فهو التأثير، وقد يكون همة وصدقًا ودعوة مجابة، وقد يكون من فعل الله الذي لا تأثير له فيه بحال، مثل هلاك عدوه بغير أثر فيه كقوله: (( من عادى لي وليًا فقد بارزني بالمحاربة ) ) (12) . ومثل تذليل النفوس له ومحبتها إياه ونحو ذلك. وكذلك ما كان من باب العلم والكشف قد يكشف لغيره من حاله بعض أمور، كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم- في المبشرات: (( هي الرؤيا الصالحة يراها الرجل الصالح أو ترى له ) ) (13) . وكما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (( أنتم شهداء الله في الأرض ) ) (14) ."
وقد جمع لنبينا -صلى الله عليه وسلم- جميع أنواع المعجزات والخوارق أما العلم والأخبار الغيبية والسماع والرؤية فمثل إخبار نبينا -صلى الله عليه وسلم- عن الأنبياء المتقدمين وأممهم ومخاطباته لهم وأحواله معهم، وكذلك إخباره عن أمور الربوبية والملائكة والجنة والنار بما يوافق الأنبياء قبله من غير تعلم منهم، فإخباره عن الأمور الغائبة ماضيها وحاضرها هو من باب العلم الخارق، وكذلك إخباره عن الأمور المستقبلة مثل: مملكة أمته وزوال مملكة فارس والروم، وقتال الترك وألوف مؤلفة من الأخبار التي أخبر بها مذكور بعضها في كتب دلائل النبوة لأبي نعيم والبيهقي"انتهى (15) ."
وقال سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز حفظه الله تعالى وأطال في عمره:"الفرق بين المعجزة والكرامة والأحوال الشيطانية الخارقة للعادة على يد السحرة والمشعوذين: أن المعجزة هي ما يجري الله على أيدي الرسل والأنبياء من خوارق العادات التي يتحدَّون بها العباد ويختبرون بها ويخبرون بها عن الله لتصديق ما بعثهم به ويؤيدهم بها سبحانه كانشقاق القمر ونزول القرآن فإن القرآن هو أعظم معجزة لرسولٍ على الإطلاق ولحنين الجذع ونبوع الماء من بين أصابعه وغير ذلك من المعجزات الكثيرة."
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)