حصل لأتباع الرسول -صلى الله عليه وسلم- أمور في البحر أعظم مما حصل لموسى -عليه السلام- وهو المشي على الماء، كذلك إحياء الموتى لعيسى -عليه السلام- حصل لأتباع الرسول -صلى الله عليه وسلم- مثلها، كذلك الرجل الذي أحيا الله له فرسه حتى بلغ أهله، كذلك إبراء الأكمه وإعادة البصر حصل للرسول -صلى الله عليه وسلم- نفسه.
ضوابط الكرامة:
ليس كل ما يظهر على أيدي الصالحين أو غيرهم يكون كرامة، بل قد تكون غواية من الشيطان أو إضلالًا من بعض الجن، ولذا فقد وضع الدكتور أحمد بن سعد حمدان محقق كتاب اللالكائي - شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة- مقدمة في الجزء التاسع منه خاصة بموضوع الكرامات فوضع حفظه الله أربعة ضوابط مهمة:
1 -أن يكون صاحبها مؤمنًا متقيًا:
وهو الوصف الذي ذكره الله -عز وجل- في كتابه بقوله تعالى: {أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء اللّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ} [ (62 - 63) سورة يونس] .
فيؤدى ما افترضه الله -عز وجل- عليه من الفروض والواجبات ويجتنب ما نهاه الله -عز وجل- عنه من المحرمات ثم يترقي في سلم العبودية بعمل المستحبات وترك المكروهات حتى يحقق معنى الولاية.
قال شيخ الإسلام: وليس لله ولي إلا من اتبعه باطنًا وظاهرًا فصدقه فيما أخبر به من الغيوب والتزم طاعته فيما فرض على الخلق من أداء الواجبات وترك المحرمات.
2 -أن لا يدعي صاحبها الولاية:
الولاية هي درجة تتعلق بفعل الرب -عز وجل- وفعل العبد، والعبد كما ذكرنا يترقي في سلم العبودية بنقل الطاعات وترك المخالفات، وهو لا يعلم عن الله -عز وجل- وهل قبل الله من العبد عمله فرفعه به أم لم يقبله منه.
فدعوى الولاية هي دعوى علم الغيب أولًا، ثم إنها تزكية للنفس ثانيًا، وقد قال الله -عز وجل-: {فَلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى} [ (32) سورة النجم] .
3 -أن لا تكون سببًا في ترك شيء من الواجبات:
الكرامة يحصل عليها الولي بسبب طاعته لله -عز وجل- بإيمانه وتقواه، ويلزم من ذلك أن لا تخالف ما كان سببًا في حصولها.
4 -أن لا تخالف أمرًا من أمور الدين:
فلو رأى في المنام أو في اليقظة أن شخصًا في صورة نبي أو ملك أو صالح يقول له: قد أبحت لك الحرام، أو حرمت عليك الحلال، أو أسقطت عنك التكاليف، أو نحو ذلك لم يصدقه. فإن ذلك من الشيطان إذ أن شريعة الله -عز وجل- باقية إلى يوم القيامة من غير نسخ فما رأى الإنسان يقظةً أو منامًا يخالف ذلك فينبغي أن يعرف أنه من الشيطان (10) .
الأشخاص الذين تظهر على أيديهم الخوارق: (11) .
ليس كل من ظهر على يديه أمر خارق للعادة كان وليًا، ولذا فيمكن تصنيف أصحاب الخوارق إلى عدة أقسام على النحو التالي:
1 -أناس صالحون ملتزمون بالشريعة الإسلامية ظاهرًا وباطنًا قد آمنوا بالله -عز وجل- وبما أمرهم أن يؤمنوا به وعملوا بما أمروا أن يعملوه ويعبدون الله -عز وجل- على وجل وخشية أن لا يتقبل منهم.
قد اتخذوا من حياة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قدوة يسيرون على منهاجها، ولا يدعون لأنفسهم مكانة زائدة على أفراد الأمة ولا يزكون أنفسهم، فهؤلاء هم أهل كرامة الله -عز وجل- وأهل توفيقه وليس فوق هداية العبد لطاعة الله -عز وجل- منزلة يتطلع إليها الإنسان المسلم.
2 -قسم فاسق استخدموا الشياطين واستخدمتهم الشياطين إما عن طريق السحر أو ما شابه ذلك من الوسائل المحرمة. فهؤلاء قد اتخذوا الشياطين أولياء من دون الله -عز وجل- وباعوا دينهم بما تقدمه لهم الشياطين مخاريق وبما تعينهم عليه من أعمال.
وهذا الصنف قد يظهر على حقيقته أمام الناس ويهمل الواجبات الشرعية ويرتكب المحذورات المحرمة وهذا كاف في بيان حاله وأنه ليس أهلًا للكرامة ولا للولاية لمخالفة سلوكه لسلوك أولياء الله -عز وجل-.
3 -قسم كفار، استعملوا وسائل متعددة كالقسم السابق إلا أن هؤلاء يعملون ما يعملون لإفساد عقائد المسلمين فيظهرون لهم في مظهر الزهاد الصالحين ويظهرون لهم من السحر والشعوذة، ما يخدعونهم به ثم يبثون فيهم عقائد الشرك والضلال تحت ستار"الولاية"والناس ينخدعون بما يرونه يظهر على يديه من الأعمال الغريبة والمخاريق العجيبة.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)