فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 23012 من 82138

قال ابن الجوزية: (فإخباره صلى الله عليه وسلم بالشؤم أنه يكون في هذه الثلاثة، ليس فيه إثبات الطيرة التي نفاها، وإنما غايته أن الله سبحانه، قد يخلق منها أعيانًا مشؤمة على من قاربها وسكنها وأعيانًا مباركة لا يلحق من قاربها منها شؤم ولا شر،وهذا كما يعطي سبحانه الوالدين ولدًا مباركًا،يريان الخير على وجهه، ويعطي غيرهما ولدًا فكذلك الدار والمرأة والفرس. والله سبحانه خالق الخير والشر من قارنها، وحصول اليمن له والبركة، ويخلق بعض ذلك نحوسًا يتنحس بها من قارنها، وكل ذلك بقضائه وقدره،كما خلق سائر الأسباب، وربطها بمسبباتها المتضادة والمختلفة، فكما خلق المسك وغيره من حامل الأرواح الطيبة، ولذذ بها من قارنها من الناس، وخلق ضدها وجعلها سببًا لإيذاء من قارنها من الناس، والفرق بين هذين النوعين يدرك بالحس، فكذلك في الديار والنساء والخيل، فهذا لون والطيرة الشركية لون آخر.

ولهذا يشرع لمن استفاد زوجة أو أمة أو دابة، أن يسأل الله تعالى من خيرها، وخير ما جبلت عليه، ويستعيذ به من شرها وشر ما جبلت عليه،كما ورد ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم، وكذلك ينبغي لمن سكن دارًا أن يفعل ذلك، وقد أمر صلى الله عليه وسلم قومًا سكنوا دارًا فقلَّ عددهم، وقلَّ مالهم أن يتركوها ذميمة.

فترك ما لا يجد الإنسان فيه بركة، من دار أو زوجة أو دابة، منهي عنه، وكذلك من اتّجر في شيء فلم يربح فيه، لقوله صلى الله عليه وسلم: (( إذا كان لأحدكم رزق في شيء فلا يدعه حتى يتغير له أو يتنكر له ) ). فالتطير والتشاؤم بوقت أو شخص أو دار أو غير ذلك، من الشرك كما ثبت ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم في الأحاديث السابق ذكرها.

والتشاؤم من الاعتقادات الجاهلية التي انتشرت - وللأسف الشديد - بين كثير من جهال المسلمين، نتيجة جهلهم بالدين عمومًا، وضعف عقيدة التوحيد فيهم خصوصًا، وسبب ذلك الجهل،ونقص التوحيد، وضعف الإيمان، هو عدم انتشار الوعي الصحيح فيهم، ومخالطة أهل البدع والضلال، وقلة من يرشدهم ويبين لهم الطريق المستقيم، وما يجب اعتقاده، وما لا يجوز اعتقاده، وما هو شرك أكبر يخرج المسلم عن الملة الإسلامية وما هو شرك أصغر،وما هو ذريعة إلى الشرك ينافي كمال التوحيد، ويوصل الفاعل في النهاية إلى الشرك الأكبر، الذي لا يغفر الله لصاحبه إن مات ولم يتب، ويكون مخلدًا في النار، وتحبط جميع أعماله الصالحة، كما قال تعالى: { إنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ} . وقال الله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا} . .

ومع ذلك لا زال كثير من الناس يتشاءمون من شهر صفر، ومن السفر فيه،فلا يقيمون فيه مناسبة ولا فرحًا، فإذا جاء في نهاية الشهر، احتفلوا في الأربعاء الأخير، احتفالًا كبيرًا،فأقاموا الولائم والأطعمة المخصوصة والحلوى، خارج القرى والمدن، وجعلوا يمشون على الأعشاب للشفاء من الأمراض.

وهذا لا شك أنه من الجهل الموقع في الشرك - والعياذ بالله - ومن البدع الشركية، ويتوقف بالدرجة الأولى على سلامة العقيدة. فهذه الأمور لا تصدر إلا ممن يشوب اعتقاده بعض الأمور الشركية، التي يجر بعضها بعضًا كالتوسلات الشركية، والتبرك بالمخلوقين، والاستغاثة بهم.

أما من أنعم الله عليه بسلامة العقيدة، وصحتها، فإنه دائمًا متوكِّل على الله، معتمدٌ عليه، موقنٌ بأن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، وأن التشاؤم والطيرة، واعتقاد النفع أو الضر في غير الله، ونحو ذلك كله من الشرك الذي هو من أشد الظلم، قال تعالى: { إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} .

والتشاؤم مما ينافي تحقيق التوحيد، وتحقيق التوحيد منه ما يكون واجبًا، ومنه ما يكون مندوبًا.

فالواجب: تخليصه وتصفيته عن شوائب الشرك والبدع والمعاصي، فالشرك ينافيه بالكلية، والبدع تنافي كماله الواجب، والمعاصي تقدح فيه وتنقص ثوابه.

فلا يكون العبد محققًا التوحيد حتى يسلم من الشرك بنوعيه ويسلم من البدع والمعاصي.

والمندوب: تحقيق المقربين، وهو انجذاب الروح إلى الله محبة وخوفًا، وإنابة وتوكلًا، ودعاءً وإخلاصًا وإجلالًا وهيبة، وتعظيمًا وعبادةً، فلا يكون في قلبه شيء لغير الله، ولا إرادة لما حرَّم الله، ولا كراهة لما أمر الله، وذلك هو حقيقة لا إله إلا الله.

قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب في كتاب التوحيد - باب من حقق التوحيد دخل الجنة بغير حساب، وذكر فيه حديث ابن عباس - رضي الله عنهما - عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( عرضت على الأمم، فأخذ النبي يمر معه الأمة، والنبي يمر معه النفر، و النبي يمر معه العشرة، و النبي يمر معه الخمسة،النبي يمر وحده، فنظرت فإذا سواد كثير، قلت: يا جبريل! هؤلاء أمتي؟ قال:لا ولكن انظر إلى الأفق،فنظرت فإذا سواد كثير قال: هؤلاء أمتك قال: هؤلاء أمتك، وهؤلاء سبعون ألفًا قدّامهم لا حساب عليهم ولا عذاب. قلت: ولِم؟ قال: كانوا لا يكتوون، ولا يسترقون، ولا يتطيِّرون، وعلى ربهم يتوكلون ) )الحديث.

فذكر الرسول صلى الله عليه وسلم من صفات الذين يدخلون الجنة بلا حساب ولا عذاب، الذين لا يتطيرون، وعلى ربهم يتوكلون، والتوكل على الله هو الأصل الجامع الذي تفرعت عنه هذه الأفعال.

فخلاصة الكلام أن التشاؤم بصفر وغيره من الأزمنة ونحو ذلك، من البدع الشركية، التي يجب تركها والابتعاد عنها، لما ورد في ذلك من الترغيب والترهيب. والله أعلم.

الهوامش والتعليقات يراجع كتاب (البدع الحولية)

(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت