(والصحابة رضي الله عنهم أجمعين قد حازوا هذه المرتبة واستيقنوها حالًا وعلمًا، ولكنه e ندبهم إلى الدخول في الأسباب المقتضية لمصالح الدنيا، كما أمرهم بالأسباب المقتضية لمصالح الآخرة، فدل ذلك على أن الأفضل ما دلهم عليه، وهم لم يتركوا ما دلهم عليه من التسبب تأدبًا بآداب رسول الله e مع أنهم هم أهل خوارق العادات) ( [73] ) .
وعلى نهجهم سار السلف الصالح فقد كان عبدالله بن المبارك - رحمه الله - على زهده تاجرًا تأتيه البضائع من خراسان إلى البيت الحرام. روى البيهقي بسنده إلى الفضيل بن عياض أنه قال لابن المبارك: أنت تأمرنا بالزهد والتقلل والبلغة ونراك تأتي بالبضائع من بلاد خراسان إلى البلد الحرام؟ كيف ذا وأنت تأمرنا بخلاف ذا؟ فقال ابن المبارك: يا أبا علي، أنا أفعل ذا لأصون بها وجهي وأكرم بها عرضي، واستعين بها على طاعة ربي، لا أرى لله حقًا إلا سارعت إليه حتى أقوم به، فقال له الفضيل: يا ابن المبارك ما أحسن ذا إن تم ذا ( [74] ) …
وقد رغب النبي e أمته في الكسب وبيَّن لهم أنه من تمام التوكل. عن عمر t قال: سمعت رسول الله e يقول:"لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصًا ( [75] ) وتروح بطانا ( [76] ) " ( [77] ) .
قال البيهقي في شعب الإيمان: ليس في هذا الحديث دلالة على القعود عن الكسب، بل فيه ما يدل على طلب الرزق، لأن الطير إذا غدت فإنها تغدو وتطلب الرزق، وإنما أراد - والله أعلم - لو توكلوا على الله تعالى في ذهابهم ومجيئهم وتصرفهم، ورأوا أن الخير بيده ومن عنده لم ينصرفوا إلا سالمين قائمين كالطير تغدو خماصا وتروح بطانًا، لكنهم يعتمدون على قوتهم وجلدهم، ويغشون ويكذبون ولا ينصحون، وهذا خلاف التوكل ( [78] ) .
فالتوكل ليس التبطل والتعطل، بل لابد فيه من التوصل بنوع من السبب لأن الطير ترزق بالسعي والطلب ( [79] ) . كما سيأتي، إن شاء الله تعالى.
وأما المعقول: فهو أن الملك العظيم إذا كانت له جماعة ولهم عوائد في أيام لا يحسن إلا فيها، أو أبواب لا تخرج إلا منها، أو أمكنة لا يدفع إلا فيها فالأدب معه أن لا يطلب منه فعل إلا حيث عوده وأن لا يخالف عوائده، بل يجري عليها، والله تعالى ملك الملوك وأعظم العظماء بل أعظم من ذلك رتب ملكه على عوائد أرادها وأسباب قدرها وربط بها آثار قدرته، ولو شاء لم يربطها، فجعل الري بالشرب والشبع بالأكل والاحتراق بالنار والحياة بالتنفس في الهواء، فمن طلب من الله تعالى حصول هذه الآثار بدون أسبابها فقد أساء الأدب مع الله سبحانه وتعالى بل يلتمس فضله في عوائده ( [80] ) .
"فمن ظن أن التوكل ترك الكسب بالبدن وترك التدبير بالقلب، والسقوط على الأرض كالخرقة الملقاة فهو جاهل، فإن ذلك حرام في الشرع، والشرع قد أثنى على المتوكلين، فكيف يُنال مقام من مقامات الدين بمحظورات الدين؟!"
وإنما يظهر تأثير التوكل في حركة العبد وسعيه بعلمه إلى مقاصده.
وسعى العبد باختياره إما أن يكون لأجل جلب نافع هو مفقود عنده كالكسب، أو لحفظ نافع هو موجود عنده كالادخار، أو لدفع ضار لم ينزل به: كدفع الصائل والسارق والسباع، أو لإزالة ضار قد نزل به كالتداوي من المرض.
أولًا: جلب النافع: الأسباب التي بها يجلب النافع على ثلاث درجات:
مقطوع به. ومظنون ظنًا يوثق به. وموهوم وهمًا لا تثق النفس به ثقة تامة ولا تطمئن إليه.
الدرجة الأولى: المقطوع به: وذلك مثل الأسباب التي ارتبطت المسببات بها بتقدير الله ومشيئته ارتباطًا مطردًا لا يختلف، كما أن الطعام إذا كان موضوعًا بين يديك وأنت جائع محتاج ولكنك لست تمد إليه اليد وتقول: أنا متوكل، وشرط التوكل تركي السعي، ومد اليد إليه سعي وحركة.
وكذلك مضغه بالأسنان وابتلاعه بإطباق أعالي الحنك على أسافله، فهذا جنون محض وليس من التوكل في شيء، فإنك إن انتظرت أن يخلق الله تعالى فيك شبعًا دون الخبز، أو يخلق في الخبز حركة إليك أو يسخر ملكًا ليمضغه لك ويوصله إلى معدتك، فقد جهلت سنة الله تعالى، وكذلك لو لم تزرع الأرض وطمعت أن يخلق الله تعالى نباتًا من غير بذر.
الدرجة الثانية: الأسباب التي ليست متيقنة، ولكن الغالب أن المسببات لا تحصل دونها، وكان احتمال حصولها دونها بعيدًا.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)