5)اعتمدت الجبهة في خطابها ولاسيّما على لسان الشيخ عباسي -فرج الله عنه- على الثقة بأن الجيش هو شريحة من الشعب، وأنّ قوى الأمن هي من هذه الناس، وأنّها لن تخذل الحركة، أو على الأقل لن تستجيب لنداء السلطة بالقمع في حال اصطدمت بها لقطع الطريق عليها ومنعها من الوصول سلميًا للسلطة، وكانوا يستندون كثيرًا إلى تصور التجربة الإيرانية حيث تبادل الجيش والشعب في نهاية المطاف بعد عودة الخميني قصف الزهور والرياحين، وسقط الشاه ووصل الخميني لقصر الرئاسة!! بدون النظر للخصوصية الشيعيّة لروافض إيران!!
6)اكتفت الجبهة عبر خطابها على لسان الشيخ عباسي بالتلويح في الأيام الأخيرة -لمّا لاحظوا بدء تغيير الأمور- برفع الشعار الذي كثيرًا ما كرره عباسي:"إن قالوا انتخابات انتخبنا وإن أَبَوا جاهدنا"، وعلى الرغم من أن قيادة الجبهة لم تقم بأي تحرك للإعداد العملي والعسكري للتحدي المرفوع في هذا الشعار بل رفضت أن يتحرك بعض الشباب المجاهد والذي انضم في صفوفها على خبرات سابقة، بعضهم عائد من أفغانستان، خشية أن يكون الإعداد العملي مُبرِّرًا للسلطة كي تنسف المسار الديمقراطي وتقطع عليها طريق المطالبة السلميّة.
7)عندما فازت الجبهة في الانتخابات البلدية وسيطرت على إدارة 852 بلدية من أصل 1500 بلدية، وهذا يعني السيطرة على 33 ولاية من أصل 48 ولاية في الجزائر؛ تحرّكت تحركًا شعبيًا عمليًا جديرًا حقًا بالدراسة، فعمدت إلى أسلمة أساليب الإدارة والشعارات والاتصال بالناس، وقدّمت للشعب نموذجًا حيّا للإدارة الإسلامية، أدى إلى حب الناس لهم، ومهّد للفوز بالأغلبية الساحقة في الانتخابات التشريعية (البرلمانية) ، وأعتقد أنه لم يكن من الممكن لهم هذا الفوز بدون التجربة البلدية الناجحة، ونسجل هنا أن الحكومة غيّرت القوانين البلدية والولائية في عهدهم لتقطع عليهم ماديًا وإداريًا إمكانيات النجاح.
8)أبرزت الطريقة التي اعتُقل بها الشيوخ فداحة الخطأ في تقييم دور الأمن والجيش في الجزائر، وهذا ما أثبتته الأحداث الدامية فيما بعد، وتبين جليًا أن الخطأ الأساسي في الموقف هو عدم اتخاذ القرار التاريخي والشرعي بإعلان الجهاد بعد نجاح الإضراب، حيث كان الملايين من المسلمين في الجزائر وراء كلمة الشيخين، ولمّا لم تتخذ الجبهة ذلك القرار بالمواصلة بدأ عقد الجمع بالانفراط، ولم تتمكن الجبهة من جمعه فيما بعد، حيث أوغل من جاء بعد الشيوخ ولا سيّما (عبد القادر حشاني) في المسار الديمقراطي والثمن الذي تتطلبه اللعبة السياسية.
يتبع إن شاء الله.