ولاؤه لله وحده ولحزبه وعداؤه لمن عاداه ولو كان من أقرب الأقربين كما قال تعالى: {لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [المجادلة: 22] .
هذا هو دين الله سبحانه؛ لا تَنَاصُر إلا بين المؤمنين وإن تباعدت بينهم الديار، ولا معاداة إلا لأولياء الشياطين وإن كانوا من الآباء أو الإخوان، حتى لا يكون الإسلام مجرَّد عنوان يُرفع أو مجرد راية وشعار، أو مجرد كلام باللسان أو مما يرثه الأبناء من الآباء، وقد قال سبحانه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [التوبة: 23] ، وهذا في النهي عن موالاة الآباء والإخوان فكيف بالأبعدين من أعداء الله ورسله من اليهود والنصارى وأذنابهم من الكفرة المرتدين؟
يقول سيد -رحمه الله-: «إن هذا الاختبار بكل تكاليفه فضل من الله يؤتيه من يشاء، وإن موالاة الجماعة غير المسلمة معناه الارتداد عن دين الله والنُّكول عن هذا الاختيار العظيم، والتَّخلي عن هذا التَّفضل الجميل، فالولاء لله {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ} [المائدة: 55] ، فإن البيان الإلهي يذكر بعض السمات الرئيسية للذين آمنوا: {الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ} [المائدة: 55] ، وهذه ملابسة مثيرة لكل مَنْ له حمية المؤمن؛ الذي لا يرى لنفسه كرامة إذا أُهين دينه، وأُهينت عقيدته، وأُهينت صلاته، واتخذ موقفه بين يدي ربه مادة للهزء واللعب، فكيف يقوم ولاء بين الذين آمنوا وبين أحد من هؤلاء الذين يرتكبون هذه الفعلة؟! ويرتكبونها لنقص في عقولهم، فما يستهزئ بدين الله وعباده المؤمنين إنسان سوي العقل» .
وإنه والله لا ينقضي العجب مما نرى ونسمع في زماننا من انقلاب في الموازين وعقم في المفاهيم، فكثير ممن ينتسب إلى الإسلام لم تعد صلاته تُتَّخذ هزوًا ولعبًا فحسب بل دينه كله!، فشرع الله قد بُدّل وغُيّر لتحكم شريعة الشيطان، وقُرّب أهل الكفر والزندقة وأُبعد أهل الصلاح والإيمان، وصار الاستهزاء بالدين وأهله فاكهة المجالس وملح الحديث! وقد ناصب أعداءُ الدين أولياءَ الله العداء وترصّدوهم الواحد تلو الآخر، وحاربوهم حربًا بلا هوادة ولا مداهنة فيها، ثم تجد الواحد من أدعياء الإسلام هؤلاء وكأن الأمر لا يعنيه وقد قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [المائدة: 57] .