وعلى الرغم من أنّ نظام الحكم في الجزائر حاول في البداية إقصاء الجبهة الإسلامية للإنقاذ كطرف من الحوار، والسير فيما أسماه (الحوار الوطني) مع باقي الكتل العلمانيّة والنصف إسلاميّة، إلا أنه أيقن جديّة الوضع والنداءات التي توالت من قِبل الغرب في الخارج وسائر الأحزاب في الداخل، واتفق الجميع على أنّ الحوار من دون جبهة الإنقاذ لا معنى له ولا أثر، وقد اقتنع الجميع أنه طالما أن المقصود من الحوار هو وقف ما نسمّيه (جهادًا في سبيل الله) ويسمّونه (أزمة أو مأساة) فلا بد من أن يمرّ عبر الحوار معها؛ لأنّها الطرف الأساسي في الصراع مع السلطة كما يعتقدون، ذلك الصراع الذي حسمته أحذية العسكر بإلغاء الانتخابات وحرمان الجبهة من فوزها، وساقت شيوخها إلى السجن وأعضاءها إلى المحتشدات الصحراوية وأقبية الزنازين، الذي شكّل -حسب ما يعتقدون- المسوّغ الأساسي لانطلاق ما يسمّونه (العنف) ، وبذلك تكون الطرف الأساسي بل الوحيد في إمكانية وقفه كما تتصوّر السُلطة ويتصوّر معها الإنقاذيون أنفسهم، ولقد بدا هذا واضحًا من خلال جولات الحوار، ولا أدلّ عليه من عرض (عبّاسي مدني) في رسالته الأولى والثانية ما بين مارس وسبتمبر عام 1994 م حيث قال عن أفكاره ومقترحاته:"لو لاقت قبولًا لأمكن طلب هدنة يمكن مباشرة المفاوضات بعدها"، وأَصرَحُ من ذلك ما نقله -كما قال قمازي- في مقابلة أجرتها معه مجلة (الوسط) عن (علي بن حاج) قوله:"أعطوني مهلة شهرين وفق المخطّط الذي أعرضه وأنا كفيل بإطفاء الحريق"!! ...
وهكذا اتفقت جميع الأطراف في الداخل والخارج على ضرورة قيام حوار في الجزائر، طرفاه الأساسيات بل الوحيدان تقريبًا هما السلطة من جهة وجبهة الإنقاذ من جهة، حيث تشارك باقي القوى السياسية لإكمال الديكور على خشبة المسرحيّة الهادفة إلى إطفاء ما يسمونه (الحريق) ونسمّيه (الأمل) !.
وسنستعرض خلال هذا البحث بالإيجاز الممكن -إن شاء الله- مراحل هذا الحوار وجوهره وحكمه في موازين الشرع وقواعد المنطق والسياسية، والنتائج المترتبة عليه، وواجب المسلمين نحوه، وطرق معالجة ومواجهة ما قد يترتب عليه، وقبل ذلك لا بد من جولة تمهيديّة في إيضاح بعض المفاهيم والأساسيات في فلسفة الحوار.
فالحوار كاصطلاح هو مناظرة أو مجادلة تقوم بين طرفين ليعرض كل طرف وجهة نظره حول موضوع أو قضية مشتركة تهمُّ طرفي هذا الحوار، ومن حيث الإطلاق قد يكون هذا الحوار لمجرّد أن يعرض كل طرف وجهة نظره ويُقيم الحجّة على الطرف الآخر، وقد يكون من أجل الوصول لتصوّر مشترك، كما أن بإمكانه أن يقوم باللسان أو بالأيدي أو بالسّكاكين أحيانًا!!