فهرس الكتاب

الصفحة 18 من 138

ما أحوجنا إلى البسمةِ وطلاقةِ الوجهِ ، وانشراحِ الصَّدْرِ وأريحيّةِ الخُلُقِ ، ولطفِ الروحِ ولينِ الجانبِ ، (( إنَّ الله أوحى إليَّ تواضعوا ، حتى لا يبغي أحدٌ على أحدٍ ولا يفخر أحدٌ على أحدٍ ) ).

وقفة

لا تحزنْ: لأنك جرّبتَ الحزن بالأمسِ فما نَفَعَكَ شيئًا ، رَسَبَ ابنُك فحزنتَ ، فهل نَجَحَ؟! مات والدُك فحزنت فهل عادَ حيّاَ ؟! خسِرت تجارتُك فحزنت، فهل عادتْ الخسائرُ أرباحًا؟!

لا تحزنْ: لأنك حزنت من المصيبةِ فصارتْ مصائبَ ، وحزنتَ من الفقرِ فازْددْتَ نَكَدًا ، وحزنتَ من كلام أعدائك فأعنتهمْ عليك ، وحزنْت من توقُّع مكروهٍ فما وقع .

لا تحزنْ: فإنهُ لنْ ينفعك مع الحُزْن دارٌ واسعةٌ ، ولا زوجةٌ حسناءُ ، ولا مالٌ وفيرٌ ، ولا منصبٌ سامٍ ، ولا أولادٌ نُجباءُ .

لا تحزنْ: لأنَّ الحُزْنَ يُريك الماءَ الزلالَ علْقمًا ، والوردةَ حَنْظَلَةً ، والحديقةَ صحراءَ قاحلةً ، والحياة سجنًا لا يُطاقُ .

لا تحزنْ: وأنت عندك عينانِ وأذنانِ وشفتانِ ويدانِ ورجلانِ ولسانٌ ، وجَنَانٌ وأمنٌ وأمانٌ وعافيةٌ في الأبدانِ: ? فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ? .

لا تحزنْ: ولك دينٌ تَعْتَقِدُهُ ، وبيتٌ تسكُنُهُ ، وخبزٌ تأكلُه ، وماءٌ تشربُهُ ، وثوبٌ تَلْبَسُهُ ، وزوجةٌ تأوي إليها ، فلماذا تحزنْ ؟!

الألمُ ليس مذمومًا دائمًا ، ولا مكروهًا أبدًا ، فقدْ يكونُ خيرًا للعبدِ أنْ يتأَلَّمَ .

إنَّ الدعاء الحارَّ يأتي مع الألمِ ، والتسبيحَ الصادقَ يصاحبُ الألَمَ ، وتألُّم الطالبِ زَمَنَ التحصيلِ وحمْله لأعباءِ الطلبِ يُثمرُ عالمًا جَهْبَذًا ، لأنهُ احترق في البدايةِ فأشرق في النهايةِ. وتألُّم الشاعرِ ومعاناتُه لما يقولُ تُنتجُ أدبًا مؤثرًا خلاَّبًا ، لأنه انقدحَ مع الألمِ من القلبِ والعصبِ والدمِ فهزَّ المشاعرَ وحرَّكَ الأفئدةَ . ومعاناة الكاتبِ تُخرجُ نِتاجًا حيًّا جذَّابًا يمورُ بالعِبرِ والصورِ والذكرياتِ .

إنَّ الطالبَ الذي عاشَ حياةَ الدَّعةِ والراحةِ ولم تلْذعْهُ الأَزَمَاتُ ، ولمْ تكْوِهِ المُلِمَّاتُ ، إنَّ هذا الطالبَ يبقى كسولًا مترهِّلًا فاترًا .

وإنَّ الشاعر الذي ما عرفَ الألمَ ولا ذاقَ المر ولا تجرَّع الغُصَصَ ، تبقى قصائدهُ رُكامًا من رخيصِ الحديثِ ، وكُتلًا من زبدِ القولِ ، لأنَّ قصائدَهُ خرجَتْ من لسانِهِ ولم تخرُجْ من وجدانِهِ ، وتلفَّظ بها فهمه ولم يعِشْها قلبُه وجوانِحُهُ .

وأسمى من هذهِ الأمثلةِ وأرفعُ: حياةُ المؤمنين الأوَّلين الذين عاشوا فجْرَ الرسالةِ ومَولِدَ الملَّةِ ، وبدايةَ البَعْثِ ، فإنهُم أعظمُ إيمانًا ، وأبرُّ قلوبًا ، وأصدقُ لهْجةً ، وأعْمقُ عِلمًْا ، لأنهم عاشوا الأَلَمَ والمعاناةَ: ألمَ الجوع والفَقْرِ والتشريدِ ، والأذى والطردِ والإبعادِ، وفراقَ المألوفاتِ ، وهَجْرَ المرغوباتِ ، وألمَ الجراحِ ، والقتلِ والتعذيبِ ، فكانوا بحقٍّ الصفوة الصافيةَ ، والثلَّةَ المُجْتَبَاةَ ، آياتٍ في الطهرِ ، وأعلامًا في النبل ، ورموزًا في التضحية ، ? ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لاَ يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلاَ نَصَبٌ وَلاَ مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ يَطَؤُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلاَ يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَّيْلًا إِلاَّ كُتِبَ لَهُم بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ? .

وفي عالم الدنيا أناسٌ قدَّموا أروعَ نتِاجَهُمْ ، لأنهم تألمَّوا ، فالمتنبي وعَكَتْه الحُمَّى فأنشدَ رائعته:

وزائرتي كأنَّ بها حياءَ

فليسَ تزورُ إلاَّ في الظلامِ

والنابغةُ خوّفَهُ النعمانُ بنُ المنذرِ بالقتلِ ، فقدَّم للناس:

فإنكَ شمسٌ والملوكُ كواكبٌ

إذا طلعتْ لم يبْدُ منهنَّ كَوكبُ

وكثيرٌ أولئك الذين أَثْرَوا الحياةَ ، لأنهم تألمَّوا .

إذنْ فلا تجزعْ من الألم ولا تَخَفَ من المعاناةِ ، فربما كانتْ قوةً لك ومتاعًا إلى حين ، فإنكَ إنْ تعشْ مشبوبَ الفؤادِ محروقَ الجَوَى ملذوعَ النفسِ ؛ أرقُّ وأصفى من أن تعيشَ باردَ المشاعرِ فاترَ الهِمَّةِ خامدَ النَّفْسِ ، ? وَلَكِن كَرِهَ اللّهُ انبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُواْ مَعَ الْقَاعِدِينَ ?

ذكرتُ بهذا شاعرًا عاش المعاناةَ والأسى وألمَ الفراقِ وهو يلفظُ أنفاسَه الأخيرةَ في قصيدةٍ بديعةِ الحُسْنِ ، ذائعةِ الشُّهرةِ بعيدةٍ عن التكلُّف والتزويق: إنه مالك بن الرّيب ، يَرثي نفسه:

أَلَمْ تَرَني بِعْتُ الضَّلاَلةَ بالهُدَى

وأصبحتُ في جيش ابنِ عفَّانَ غازيَا

فللهِ دَرِّي يومَ أُتْرَكُ طائعًا

بَنِيَّ بأعلى الرقمتيْن وماليا

فيا صاحِبَيْ رحلي دنا الموتُ فانزلا

برابيةٍ إنِّي مقيمٌ لياليا

أقيما عليَّ اليومَ أوْ بَعْضَ ليلةٍ

ولا تُعجِلاني قد تبيَّن ما بيا

وخُطًا بأطرافِ الأسنةِ مضجعي

ورُدَّا على عَيْنَيَّ فضلَ ردائيا

ولا تحسُداني بارَك اللهُ فيكما

مِن الأرضِ ذاتِ العَرْض أنْ تُوسِعَا ليا

إلى آخرِ ذاكَ الصوتِ المتهدِّجِ ، والعويلِ الثاكل ، والصرخةِ المفجوعةِ التي ثارتْ حممًا منْ قلبِ هذا الشاعرِ المفجوعِ بنفسهِ المصابِ في حياتهِ .

إن الوعظَ المحترقَ تَصِلُ كلماتُه إلى شِغافِ القلوبِ ، وتغوصُ في أعماقِ الرُّوحِ لأنه يعيشُ الألمَ والمعاناةَ ? فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا ? .

لا تعذلِ المشتاقَ في أشواقِه

حتى يكونَ حشاكَ في أحشائِه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت