فهرس الكتاب

الصفحة 99 من 138

إنَّ هناك ملاذاتٍ آمنة للخائفين في كَنَف أرحمِ الراحمين ، فهو يرى ويسمعُ ويُبصرُ الظالمين والمظلومين ، والغالبين والمغلوبين ? وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا ? .

ذكرتُ بهذا طائرًا يسمَّى الحُمَّرة ، جاءت تُرفرفُ على رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - ، وهو جالسٌ مع أصحابِه تحت شجرةٍ ، كأنها بلسانِ الحالِ تشكو رجلاًَ أخذ أفراخها منْ عشِّها ، فقال - صلى الله عليه وسلم -: (( منْ فجع هذه بأفراخِها ؟ رُدُّوا عليها أفراخها ) ).

وفي مثل هذا يقولُ أحدُهم:

جاءتْ إليك حمامةٌ مُشتاقةٌ

تشكو إليك بقلبِ صبِّ واجفِ

منْ أخبر الورْقاء أنَّ مكانكم

حَرَمٌ وأنَّك ملجأٌ للخائِفِ

وقال سعيدُ بنُ جبيرٍ: واللهِ لقد فررتُ من الحجَّاج ، حتى استحييتُ من اللهِ عزَّ وجلَّ . ثم جيءَ به إلى الحجّاج ، فلمَّا سُلَّ السيفُ على رأسِه ، تبسَّم . قال الحجاجُ: لِم تبتسمُ ؟ قال: أعجبُ منْ جُرأتك على اللهِ ، ومن حِلْمِ الله عليك . يا لها من نفْسٍ كبيرةٍ ، ومن ثقةٍ في وعدِ اللهِ ، وسكونٍ إلى حُسْنِ المصيرِ ، وطِيبِ المُنقلَب . وهكذا فليكُنِ الإيمانُ .

أنت تتعاملُ مع أرحمِ الراحمين

إن لفت نَظَرَك هذا الحديثُ ، فقد لفت نظري أيضًا ، وهو ما رواه أحمد وأبو يعلى والبزارُ والطبرانيُّ ، أنَّ شيخًا كبيرًا أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو مُدَّعِمٌ على عصا ، فقال: يا نبيَّ اللهِ ، إنَّ لي غدراتٍ وفجراتِ ، فهل يُغفرُ لي ؟ فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: (( تشهدُ أنْ لا إله إلا اللهُ وأنَّ محمدًا رسول الله ؟ ) )قال: نعمْ يا رسول اللهِ . قال: (( فإن الله قد غفر لك غدراتِك وفجراتِك ) ). فانطلق وهو يقول: اللهُ أكبرُ ، اللهُ أكبرُ .

أفهمُ من الحديث مسائل: منها سعةُ رحمةِ أرحمِ الراحمين ، وأنَّ الإسلام يهدمُ ما قبله ، وأن التوبة تجبُّ ما قبلها ، وأن جبال الذنوب في غفرانِ علاّم الغيوب لاشيءٌ ، وأنه يجبُ عليك حُسْنُ الظَّنِّ بمولاك ، والرجاءُ في كرمِه العميمِ ، ورحمتِه الواسعةِ .

براهينُ تدعوك للتفاؤلِ

في كتابِ « حُسْنِ الظَّنّ باللهِ » لابن أبي الدنيا ، واحدٌ وخمسون ومائة نصٍّ ، ما بين آيةٍ وحديث ، كلُّها تدعوك إلى التفاؤلِ ، وترْكِ اليأسِ والقنوطِ ، والمُثابرَة على حُسْنِ الظَّنِّ وحُسْنِ العَمَلِ ، حتى إنك لتجدُ نصوصَ الوعدِ أعْظَمَ منْ نصوصِ الوعيدِ ، وأدلَّةَ التهديدِ ، وقد جعل اللهُ لكلِّ شيءٍ قدرًا .

حياةٌ كلُّها تعبٌ

لا تحزنْ منْ كدرِ الحياةِ ، فإنها هكذا خُلقتْ .

إنَّ الأصل في هذه الحياة المتاعبُ والضَّنى ، والسرورُ فيها أمرٌ طارئٌ ، والفرحُ فيها شيءٌ نادرٌ . تحلو لهذه الدارِ واللهُ لم يرْضها لأوليائِه مستقرَّا ؟!

ولولا أنَّ الدنيا دارُ ابتلاءٍ ، لم تكُنْ فيها الأمراضُ والأكدارُ ، ولم يضِقِ العيشُ فيها على الأنبياء والأخبار ، فآدمُ يُعاني المِحن إلى أن خرج من الدنيا ، ونوحٌ كذَّبهُ قومُه واستهزؤُوا به ، ولإبراهيمُ يُكابِدُ النار وذَبْحَ الولد ، ويعقوبُ بكى حتى ذهب بصرُه ، وموسى يُقاسي ظُلم فرعون ، ويلقى من قومه المِحنَ ، وعيسى بنُ مريم عاش معدمًا فقيرًا ، ومحمدٌ - صلى الله عليه وسلم - يُصابِرُ الفقْر ، وقتلِ عمِّهِ حمزة ، وهو منْ أحبِّ أقاربِه إليه ، ونفورِ قومِهِ منهُ . وغير هؤلاء من الأنبياءِ والأولياءِ مما يطُول ذِكْرُهُ . ولو خُلقتِ الدنيا لِلَّذَّةِ ، لم يكنْ للمؤمنِ حظٌّ منها . وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: (( الدنيا سجنُ المؤمنِ ، وجنَّةُ الكافرِ ) ). وفي الدنيا سُجِن الصّالحون، وابتُلي العلماءُ العاملون ، ونغِّص على كبارِ الأولياءِ . وكدّرتْ مشارِبُ الصادِقِين.

عن زيدِ بنِ ثابتٍ - رضي اللهُ عنه - قال: سمعتُ رسول اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يقولُ: (( منْ كانتِ الدنيا همَّةُ ، فرَّق اللهُ عليهِ أمرهُ ، وجعل فقرهُ بين عينيْه ، ولم يأتِهِ منَ الدنيا إلا ما كُتب له. ومنْ كانتِ الآخرةُ نِيَّتهُ، جمع اللهُ له أمرهُ ، وجعل غناهُ في قلبِهِ ، وأتتْه الدنيا وهي راغمةٌ ) ).

وعنْ عبدِالله بن مسعودٍ - رضي اللهُ عنه - قال: سمعتُ نبيَّكم - صلى الله عليه وسلم - يقولُ: (( منْ جعل الهموم همًا واحدًا ، وهمَّ آخرته ، كَفَاهُ اللهُ همَّ دنياه ، ومنْ تشعبَّتْ به الهُمُومُ في أحوالِ الدُّنيا ، لم يُبالِ اللهُ في أيِّ أَوْدِيتِها هَلَكَ ) ).

قال الكاتبُ المعروفُ بـ « الببْغاء » :

تنكَّبْ مذْهبَ الهمجِ

وعُذْ بالصبرِ تبْتَهِجِ

فإنَّ مُظلمَ الأيَّا

م محجوجٌ بلا حُججِ

تُسامحُنا بلا شُكرٍ

وتمْنَعُنا بلا حرجِ

ولُطفُ الله في إتيا

نهِ فتْحٌ مِن اللّججِ

فمِنْ ضِيقٍ إلى سعةٍ

ومِنْ غمٍّ إلى فرجِ

الوَسَطِيَّةُ نجاةٌ من الهلاك

تمامُ السعادة مبنيٌّ على ثلاثةِ أشياء:

اعتدالِ الغضبِ .

اعتدالِ الشهوةِ .

اعتدالِ العِلْمِ .

فيحتاجُ أن يكون أمرُها متوسِّطًا ، لئلاَّ تزيد قوةُ الشهوةِ ، فتُخرِجه إلى الرُّخصِ فيهلِك ، أو تزيدُ قوةُ الغضبِ ، فيخرُج إلى الجموحِ فيهلك . (( وخيرُ الأمورِ أوسطُها ) ).

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت