وذكر ابنُ عساكر وابنُ القيمِ: أنَّ رجلًا من الصالحين لقيه لصٌّ في إحدى طرقِ الشامِ ، فأجهز عليه ليقتله ، فطلب منه مهلةٍ ليصلي ركعتين ، فقام فافتتح الصلاة ، وتذكَّرَ قول اللهِ تعالى: ? أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ ? . فردَّدها ثلاثًا ، فنزل ملكٌ من السماءِ بحربةٍ فَقَتَلَ المجرم ، وقال: أنا رسولُ منْ يجيبُ المضطرَّ إذا دعاهُ . ? وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا ? ، ? إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ ? ، ? إِنَّ الصَّلاَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَّوْقُوتًا ? .
وإن ممَّا يشرحُ الصدر ، ويزيلُ الهمَّ والغمَّ ، الصلاةُ على الرسول - صلى الله عليه وسلم -: ? يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ? .
صحَّ ذلك عند الترمذيِّ: أنَّ أُبَيَّ بن كعب - رضي اللهُ عنهُ - قال: يا رسول اللهِ ، كمْ أجعلُ لك من صلاتي ؟ قال: (( ما شئت ) ). قال: الربع ؟ قال: (( ما شئت ، وإنْ زدت فخيْرٌ ) ). قال: الثُّلُثيْن ؟ قال: (( ما شئت ، وإنْ زدت فخيرٌ ) ). قال: أجعلُ لك صلاتي كلهَّا ؟ قال: (( إذنْ يُغفرُ ذنبُك ، وتُكْفى همُّك ) ).
وهنا الشاهدُ ، أنْ الهمَّ يزولُ بالصلاةِ والسلامِ على سيدِ الخلْقِ: (( منْ صلَّى عليَّ صلاةً واحدةً صلَّى اللهُ عليهِ بها عَشْرًا ) ). (( أكِثروا من الصلاةِ عليَّ ليلة الجمعةِ ويوم الجمعةِ ، فإنَّ صلاتكمْ معروضةٌ عليَّ ) ). قالوا: كيف تُعرضُ عليك صلاتُنا وقدْ أرمْت ؟! -أي بليت- قال: (( إنَّ الله حرمَّ على الأرضِ أنْ تأكل أجساد الأنبياءِ ) ). إنَّ للذين يقتدون به - صلى الله عليه وسلم - ويتّبعون النور الذي أُنْزِلَ معهُ نصيبًا من انشراحِ صدرِه وعُلوِّ قدرِه ورفعةِ ذكرهِ .
يقولُ ابنُ تيمية: أكملُ الصلاةِ على الرسولِ - صلى الله عليه وسلم - هي الصلاةُ الإبراهيميةُ: اللهم صلِّ على محمدِ وعلى آل محمَّدٍ كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم ، وباركْ على محمدٍ وعلى آلِ محمدٍ كما باركْت على إبراهيم وعلى آلِ إبراهيم في العالمين . إنك حميدٌ مجيدٌ .
نسينا في ودادِك كُلَّ غالِ
فأنت اليومَ أغلى ما لَدَيْنَا
نُلامُ على محبَّتِكمْ ويكفي
لنا شرفًا نلامُ وما علينا
ويدخلُ في عمومِ ما يجلبُ السعادة ويزيلُ الهمَّ والكدر: فعلُ الإحسانِ ، من الصدقةِ والبِرُّ ولإسداءِ الخيرِ للناسِ ، فإنَّ هذا منْ أحسنِ ما يُوسَّعُ بهِ الصَّدْرُ ، ? أَنفِقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاكُم? ، ? وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ ? .
وقدْ وصف - صلى الله عليه وسلم - البخيلُ والكريمُ برجليْن عليهما جُبَّتانِ ، فلا يزالُ الكريمُ يُعطي ويبذلُ ، فتتوسَّعُ عليه الجبَّةُ والدِّرْعُ من الحديدِ حتى يعفُوَ وأثرُه ، ولا يزالُ البخيلُ يمسكُ ويمنعُ ، فتتقلَّص عليهِ ، فتخنقهُ حتى تضيق عليهِ روحهُ ! ? وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاء مَرْضَاتِ اللّهِ وَتَثْبِيتًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِن لَّمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ ? . وقال سبحانه وتعالى: ? وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ ? .
إنَّ غلَّ الروحِ جزءٌ منْ غلِّ اليدِ ، وإنَّ البخلاء أضيقُ الناسِ صدورًا وأخلاقًا ؛ لأنهم بخلُوا بفضلِ اللهِ عزَّ وجلَّ ، ولو عملوا أنَّ ما يعطونه الناس إنما هو جلبٌ للسعادةِ ، لسارعوا إلى هذا الفعلِ الخيِّرِ ، ? إِن تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ? .
وقال سبحانه وتعالى: ? وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ? ، ? وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ ?
اللهُ أعطاك فابذلْ مِنْ عطيتهِ
فالمالُ عاريةٌ والعمرُ رحَّالُ
المالُ كالماءِ إنْ تحبسْ سواقِيهُ
يأسنْ يجرِ يعذُبْ منه سلسالُ
يقولُ حاتمُ:
أما والذي لا يعلمُ الغيب غيرهُ
ويُحيي العظام البيض وهي رميمُ
لقدْ كنتُ أطوي البطن والزادُ يُشتهى
مخافة يومٍ أنْ يُقال لئيمُ
إنَّ هذا الكريم يأمرُ امرأته أنْ تستضيف له ضيوفًا ، وأن تنتظر روَّاده ليأكلوا معه ، ويؤانسوهُ ليشرح صدرهُ ، يقولُ:
إذا ما صنعتِ الزاد فالتمسي لهُ
أكولًا فإني لستُ آكلُه وحدي
ثمّ يقولُ لها وهو يعلنُ فلسفته الواضحة ، وهي معادلةٌ حسابيةٌ سافرةٌ:
أريني كريمًا مات مِنْ قبلِ حِينهِ
فيرضى فؤادي أو بخيلًا مخلدَّا
هلْ جمْعُ المالِ يزيدُ في عمرِ صاحبِه ؟ هلْ إنفاقُهُ يُنقصُ من أجلِه ؟ ليس بصحيحٍ .
لا تغضبْ
? وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ? .
أوصى - صلى الله عليه وسلم - أحد أصحابه فقال: (( لا تغضبْ ، لا تغضبْ ، لا تغضبْ ) ).
وغضب رجلٌ عنده فأمرهُ - صلى الله عليه وسلم - أنْ يستعيذ باللهِ من الشيطانِ الرجيمِ .
وقال تعالى: ? وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَن يَحْضُرُونِ ? ، ? إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَواْ إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ ? .
إنَّ ممَّا يورِثُ الكَدَرَ والهمَّ والحزن الحِدَّةُ والغضبُ ، وله أدواءٌ عند المصطفى - صلى الله عليه وسلم - .
منها: مجاهدةُ الطبعِ على تركِ الغَضَبِ ، ? وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ ? ، ? وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ ? .