فهرس الكتاب

الصفحة 94 من 138

وقفة

(( تعرَّفْ إلى اللهِ في الرخاءِ ، يعرفْك في الشِّدَّة ) ).

« (تعرَّفْ) بتشديدِ الرَّاءِ (إلى اللهِ) أيْ: تحبَّبْ وتقرَّبْ إليهِ بطاعتِه ، والشُّكرِ لهُ على سابغِ نعمتِه ، والصبر تحت مُرِّ أقْضِيتِهِ ، وصدْقِ الالتجاءِ الخاصِ قبل نزولِ بليَّتِه . (في الرخاءِ) أيْ: في الدَّعةِ والأمْنِ والنعمةِ وسَعَةِ العمرِ وصحَّةِ البدنِ ، فالزمِ الطاعاتِ والإنفاق في القُرُباتِ ، حتى تكون متَّصِفًا عنده بذلك ، معروفًا به . (يعرفْك في الشِّدَّة) بتفريجِها عنك ، وجعْلِه لك منْ كلِّ ضِيقٍ مخرجًا ، ومنْ كلِّ همٍّ فرجًا ، بما سلف منْ ذلك التَّعرُّفِ » .

« ينبغي أنْ يكون بين العبدِ وبين رِّبهِ معرفةٌ خاصَّةٌ بقلبِهِ ، بحيثُ يجدُه قريبًا للاستغناءِ لهُ منهُ ، فيأنسُ بهِ في خلوتِه ، ويجدُ حلاوة ذكْرِه ودعائِه ومناجاتِه وطاعتِه ، ولا يزالُ العبدُ يقع في شدائد وكُربٍ في الدنيا والبرْزخِ والموقفِ ، فإذا كان بينهُ وبين ربِّه معرفةٌ خاصَّة ، كفاهُ ذلك كلُّه » .

الإغضاءُ عنِ هفواتِ الإخوانِ

? خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ ? .

لا ينبغي أنْ يزهد فيهِ - أي الأخ- لخُلُقٍ أو خُلُقَيْن ينكرُهما منهُ، إذا رضي سائر أخلاقِه ، وحمِد أكثرَ شِيمِه ، لأنَّ اليسير مغفورٌ ، والكمال مُعوزٌ ، وقدْ قال الكِنْديُّ: كيف تريدُ منْ صديقِك خُلُقًا واحدًا ، وهو ذو طبائع أربعٍ . مع أنَّ نفْس الإنسانِ التي هي أخصُّ النفوسِ به ، ومدبَّرةٌ باختيارِه وإرادتِه ، لا تُعطيه قيِادها في كلِّ ما يريدُ ، ولا تُجيبُه إلى طاعتِه في كلِّ ما يجبُ ، فكيف بنفسِ غيرِه ؟! ? كَذَلِكَ كُنتُم مِّن قَبْلُ فَمَنَّ اللّهُ عَلَيْكُمْ ? ، ? فَلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى ? .

وحسْبُك أنْ يكون لك منْ أخيك أكثرُه ، وقدْ قال أبو الدرداءِ - رضي الله عنه -: مُعاتبَةُ الأخِ خَيْرٌ منْ فقْدِه ، منْ لك بأخيك كلِّه ؟! فأخذ الشعراءُ هذا المعنى ، فقال أبو العتاهية:

أَأُخيَّ منْ لك مِن بني الد

نيا بكلِّ أخيك منْ لكْ

فاسْتبْقِ بعضك لا يَمَلُّـ

ـك كلُّ منْ لم تُعْطِ كُلَّكْ

وقال أبو تمامٍ الطائيُّ:

ما غبن المغبون مِثْلُ عقْلِهِ

منْ لك يومًا بأخيك كُلِّهِ

وقال بعضُ الحكماء: طَلَبُ الإنصافِ ، مِنْ قلَّةِ الإنصافِ .

وقال بعضُهم: نحنُ ما رضِينا عنْ أنفُسِنا ، فكيف نرضى عنْ غيرِنا !!

وقال بعضُ البلغاءِ: لا يُزهدنَّك في رجلٍ حمدت سيرته ، وارتضيت وتيرته ، وعرفت فَضْله ، وبطنت عقله - عَيْبٌ خفيٌّ ، تحيطُ به كثرةُ فضائلِه ، أو ذنبٌ صغيرٌ تستغفرُ له قوةُ وسائلِه ، فإنك لنْ تجِد - ما بقيت - مُهذَّبًا لا يكونُ فيه عيبٌ ، ولا يقعُ منه ذنبٌ ، فاعتبرْ بنفسك بعدُ ألاَّ تراها بعينِ الرضا ، ولا تجري فيها على حُكمِ الهوى ، فإنَّ في اعتبارِك بها ، واختبارِك لها ، ما يُواسيك مما تطلبُ ، ويعطِفك على منْ يُذنبُ ، وقد قال الشاعرُ:

ومنْ ذا الذي تُرضى سجاياهُ كلُّها

كفى المرء نُبلًا أنْ تُعدَّ معايبُهْ

وقال النابغةُ الذُّبيانيُّ:

ولست بمُسْتبْقٍ أخًا لا تلُمُّهُ

على شعثٍ أيُّ الرِّجالِ المهذَّبِ

وليس ينقضُ هذا القول ما وصفناهُ منْ اختبارِه ، واختبارِ الخصالِ الأربع فيه ، لأنَّ ما اعوز فيه معفوٌّ عنهُ ، هذا لا ينبغي أنْ تُوحشك فترةٌ تجدُها منهُ ، ولا أنْ تُسيء الظَّنَّ في كبوةٍ تكونُ منه ، ما لم تتحقَّق تغيُّره ، وتتيقَّن تنكُّره ، وليصرفْ ذلك إلى فتراتِ النفوسِ ، واستراحاتِ الخواطرِ ، فإنَّ الإنسان قد يتغيَّرُ عنْ مُراعاةِ نفسِه التي هي أخصُّ النفوسِ به ، ولا يكونُ ذلك منْ عداوةٍ لها ، ولا مللٍ منها . وقدْ قيل في منثورِ الحِكمِ: لا يُفسِدنَّك الظَّنُّ على صديقٍ قد أصلحك اليقينُ له . وقال جعفرُ بنُ محمدٍ لابنِه: يا بُنيَّ ، منْ غضب من إخوانِك ثلاث مرَّاتٍ ، فلمْ يقُل فيك سوى الحقِّ ، فاتخِذْه لنفسِك خِلاّ . وقال الحسنُ بنُ وهبٍ: منْ حقوقٍ المودَّةِ أخْذُ عَفْوِ الإخوانِ ، والإغضاءُ عن تقصير إن كان . وقد روي عنْ عليٍّ - رضي اللهُ عنهُ - في قولِه تعالى: ? فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ ? ، قال: الرِّضا بغيرِ عتابٍ .

وقال ابنُ الروميِّ:

همُ الناسُ والدنيا ولابُدَّ منْ قذىً

يُلِمُّ بعينٍ أو يُكدِّرُ مشْربا

ومنْ قلّةِ الإنصافِ أنَّك تبتغي الـ

ـمُهذَّب في الدنيا ولست المهذَبا

وقال بعضُ الشعراءِ:

تَوَاصُلُنا على الأيامِ باقٍ

ولكنْ هجرُنا مطرُ الرَّبيعِ

يرُوعُك صَوْبُهُ لكنْ تراهُ

على علاَّتِهِ داني النُّزُوعِ

معاذ اللهِ أنْ تلقى غِضابًا

سوى دلُ المطاعِ على المُطيعِ

? وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ أَبَدًا ?

تريدُ مُهذَّبًا لا عيب فيه

وهلْ عُودٌ يفُوحُ بلا دُخانِ

? فَلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى ? .

الصِّحَّةُ والفراغُ

ينبغي ألا تضيِّع صِحَّة جسمِك ، وفراغ وقتِك ، بالتقصيرِ في طاعةِ ربِّك ، والثِّقةِ بسالفِ عمِلك ، فاجعلْ الاجتهاد غنيمة صحَّتِك ، والعمل فرصة فراغِك ، فليس كلُّ الزمانِ مستعدًا ولا ما فات مستدركًا ، وللفراغِ زيْغٌ أو ندمٌ ، وللخْلوةِ مَيْلٌ أو أسفٌ .

وقال عمرُ بنُ الخطابِ: الراحةُ للرجالِ غفْلةٌ ، وللنساءِ غُلْمةٌ .

وقال بزرجمهرُ: إنْ يكنِ الشغلُ مَجْهَدةً ، فالفراغُ مفْسدَةٌ .

وقال بعضُ الحكماءِ: إيَّاكمْ والخلواتِ ، فإنها تُفسدُ العقول ، وتعقِدُ المحلول .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت