? لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ ? .
« حَسْبُنَا اللّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ » : قالها إبراهيمُ لما أُلقي في النارِ ، فصارتْ بردًْا وسلامًا . وقال محمدٌ - صلى الله عليه وسلم - في أُحُدٍ ، فنصره اللهُ .
لما وُضِع إبراهيمُ في المنجنيقِ قال له جبريلُ: ألك إليَّ حاجةٌ ؟ فقال له إبراهيمُ: أمَّا إليك فلا ، وأمَّا إلى اللهِ فَنَعَمْ !
البحرُ يُغْرقُ ، والنارُ تَحْرِقُ ، ولكن جفَّ هذا ، وخمدتْ تلك ، بسبب: « حَسْبُنَا اللّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ » .
رأى موسى البحرَ أمامه والعدَّ خلفه ، فقال: ? قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ ? . فنجا بإذنِ اللهِ .
ذُكِر في السيرةِ أنَّ الرسول - صلى الله عليه وسلم - لما دخل الغار ، سخَّ الله الحمام فبنتْ عشّها ، والعنكبوت فبنت بيتها بفمِ الغارِ ، فقال المشركون: ما دخل هنا محمدٌ .
ظنُّوا الحمام وظنُّوا العنكبوت على
خيرِ البريةِ لم تنسِخْ ولم تَحُمِ
عنايةُ اللهِ أغنيتْ عنْ مضاعفةٍ
من الدروعِ وعنْ عالٍ من الأُطمُِ
إنها العنايةُ الربانيةُ إذا تلمَّحها العبدُ ، ونظر أنَّ هناك ربًّا قديرًا ناصرًا وليًّا راحمًا ، حينها يركنُ العبدُ إليه .
يقولُ شوقي:
وإذا العنايةُ لاحظتْكَ عيونُها
نمْ فالحوادثُ كُلُّهن أمانُ
? فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا ? ، ? فَاللّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ? .
مكوِّناتُ السَّعادةِ
وعند الترمذيِّ عنهُ - صلى الله عليه وسلم -: (( منْ بات آمنًا في سِرْبهِ ، معافىً في بدنه ، عندهُ قوتُ يومِهِ ، فكأنما حِيزَتْ له الدنيا بحذافِيرِها ) ).
والمعنى: إذا حصل على غذاءٍ ، وعلى مأوًى وكان آمنًا ، فقدْ حصل على أحسنِ السعاداتِ ، وأفضلِ الخيراتِ ، وهذا يحصلُ عليه كثيرٌ من الناسِ ، لكنهمْ لا يذكرونه ، ولا ينظرون إليه ولا يلمسونه .
يقولُ سبحانه وتعالى لرسوله: ? وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي ? . فأيُّ نعمةٍ تمّتْ على الرسولِ - صلى الله عليه وسلم - ؟
أهي المادةُ ؟ أهو الغذاءُ ؟ أهي القصورُ والدورُ والذهبُ والفِضَّةُ ، ولم يملكْ من ذلك شيئًا ؟
إنَّ هذا الرسول العظيم - صلى الله عليه وسلم - كان ينامُ في غرفةٍ منْ طينٍ ، سقفُها منْ جريدِ النخلِ ، ويربطُ حَجَريْنِ على بطنِهِ ، ويتوسَّدُ على مخدَّةٍ منْ سَعَف النخلِ تؤثِّر في جنبهِ ، ورهن دِرْعهُ عند يهوديٍّ في ثلاثين صاعًا منْ شعيرٍ، ويدورُ ثلاثة أيامٍ لا يجدُ رديء التمرِ ليأكله ويشبع منه.
مِت ودرعُك مرهونٌ على شظفٍ
من الشَّعيرِ وأبقى رهَكَ الأجلُ
لأنَّ فيك معاني اليُتْمِ أعذبُهُ
حتى دُعيت أبا الأيتامِ يا بَطَلُ
وقلتُ في قصيدةٍ أخرى:
كفاك عنْ كلِّ قصرٍ شاهقٍ عمدٍ
بيتٌ من الطينِ أو كهفٌ من العلمِ
تبني الفضائل أبراجًا مشيَّدةً
نُصْيَ الخيامِ التي منْ أروعِ الخيمِ
? وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ الْأُولَى {4} وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى ? ، ? إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ ? .
نَصَب المَنْصِب
منْ متاعبِ الحياةِ المنصبُ ، قال ابنُ الورديُّ:
نصبُ المنصبِ أوهي جَلَدي
يا عنائي منْ مداراةِ السفَلْ
والمعنى: انَّ ضريبةَ المنصبِ غاليةٌ ، إنها تأخذُ ماء الوَجْهِ ، والصِّحِّة والراحةَ ، وقليلٌ مَنْ ينجو منْ تلك الضرائبِ التي يدفعُها يوميًّا ، منْ عرقِهِ ، من دِمِ ، منْ سمعتِه ، من راحتِه ، منْ عزتِه ، منْ شرفِه ، منْ كرامتِه ، (( لا تسألِ الإمارةَ ) ). (( نِعْمَتِ المرضعةُ وبِئست الفاطمةُ ) )? هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيهْ ? .
قال الشاعرُ:
هبِ الدنيا تصيرُ غليك عفوًا
أليس مصيرُ ذلك للزوالِ ؟!
قدِّرْ أنَّ الدنيا أتتْ بكل شيءٍ ، فإلى أي شيء تذهبُ ؟ إلى الفناءِ ، ? وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ ? .
قال أحدُ الصالحين لابنه: لا تكنْ يا بُنيَّ رأسًا ، فإنَّ الرأس كثيرُ الأوجاعِ .
والمعنى: لا تُحِبَّ التصدُّرَ دائمًا والتَّرؤُّس ، فإنَّ الانتقاداتِ والشتائمِ والإحراجاتِ والضرائبِ لا تصلُ إلا إلى هؤلاء المقدَّمين .
إنَّ نصف الناسِ أعداءٌ لمِنْ
ولي السلْطة هذا إنْ عدلْ
? يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ ? .
كان - صلى الله عليه وسلم - إذا حزبه أمرٌ فَزِع إلى الصلاةِ .
وكان يقولُ: (( أرِحنْا بها يا بلالُ ) ).
ويقولُ: (( جُعلت قرَّةُ عيني في الصلاةِ ) ).
إذا ضاق الصدرُ ، وصعُب الأمرُ ، وكثر المكْرُ ، فاهرعْ إلى المصلَّى فصلِّ .
إذا أظلمتْ في وجهِك الأيامُ ، واختلفتْ الليالي ، وتغيَّرَ الأصحابُ ، فعليك بالصلاةِ .
كان النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - في المهمَّاتِ العظيمةِ يشرحُ صدره بالصلاةِ ، كيومِ يدْرٍ والأحزابِ وغيرِها من المواطنِ . وذكروا عنِ الحافظِ ابن حجرٍ صاحبِ ( الفتحِ ) أنه ذهب إلى القلعةِ بمصر فأحط به اللصوصُ ، فقام يصلي ، ففرَّج اللهُ عنهُ .