? فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى ? .
مفتاحُ السعادةِ كلمةٌ ، وميراثُ الملَّةِ عبارةٌ ، ورايةُ الفلاحِ جملةٌ ، فالكلمةُ والعبارةُ والجملةُ هي: لا إله إلا اللهُ . محمدٌ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - .
سعادةُ منْ نطقها في الأرضِ: أن يُقال لهُ في السماءِ: صدقْتَ: ? وَالَّذِي جَاء بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ ? .
وسعادةُ منْ عمل بها: أنْ ينجو من الدمارِ والشَّنارِ والعارِ والنارِ: ? وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوا بِمَفَازَتِهِمْ ? .
وسعادةُ منْ دعا إليها: أنْ يٌعان ويُنْصَرَ ويُشْكَرَ: ? وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ ? .
وسعادةُ منْ أحبَّها: أنْ يُرفع ويُكرَمَ ويُعزَّ: ? وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ ? .
هتف بها بلالٌ الرقيقُ فأصبح حرًّا: ? يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّوُرِ ? .
وتلعثم في نطقهاِ أبو لهبٍ الهاشميُّ ، فمات عبدًا ذليلًا حقيرًا: ? وَمَن يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ ? .
إنها الإكسيِرُ الذي يحولِّ الركام البشريَّ الفاني إلى قممٍ لإيمانيةٍ ربانيةٍ طاهرةٍ: ? وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَنْ نَّشَاء مِنْ عِبَادِنَا ? .
لا تفرحْ بالدنيا إذا أعرضْت عنِ الآخرةِ ، فإنَّ العذاب الواصب في طريقِك ، والغلَّ والنَّكالُ ينتظرُك: ? مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيهْ {28} هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيهْ ? . ? إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ ? .
ولا تفرحْ بالولدِ إذا أعرضت عن الواحدِ الصمدِ ، فإنَّ الإعراض عنه كلُّ الخذلانِ ، وغايةُ الخسرانِ ، ونهايةُ الهوانِ: ? وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ ? .
ولا تفرحْ بالأموالِ إذا أسأت الأعمال ، فإنَّ إساءة العمل محقٌ للخاتمةِ وتبابٌ في المصيرِ ، ولعنةٌ في الآخرةِ: ? وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَى ? ? وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُم بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِندَنَا زُلْفَى إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ? .
وقفةٌ
(( يا حيُّ يا قيومُ برحمتِك أستغيثُ ) ): في رفع هذا الدعاءِ مناسبةٌ بديعةٌ ، فإنَّ صفة الحياةِ متضمِّنةً لجميع صفاتِ الكمالِ ، مستلزمةٌ لها ، وصفةُ القيَّوميةُ متضمِّنةٌ لجميعِ صفاتِ الأفعالِ ، ولهذا كان اسمُ اللهِ الأعظمُ الذي إذا دُعِيَ به أجاب ، وإذا سُئل به أعطى: هو اسمُ الحيُّ القيومُ . والحياةُ التامَّة تضادُّ جميع الأسقامِ والآلام ؛ ولهذا لما كمُلتْ حياةُ أهلِ الجنةِ ، لمْ يلحقْهُمْ همُّ ولا غمٌّ ولا حَزَنٌ ولا شيءٌ من الآفاتِ . ونقصانُ الحياةِ تضرُّ بالأفعالِ ، وتنافي القيومية ، فكمالُ القيوميةِ لكمالِ الحياةِ ، فالحيُّ المطلقُ التامُّ الحياةِ لا تفوتُه صفةُ الكمالِ ألبتة ، والقيومُ لا يتعذَّرُ عليه فعْل ممكن ألبتة ، فالتوسلُ بصفةِ الحياةِ والقوميةِ له تأثيرٌ في إزالةِ ما يُضادُّ الحياةَ ويضرُّ بالأفعالِ .
قال الشاعرُ:
لعمْرُك ما المكروهُ منْ حيث تتَّقي
وتخشى ولا المحبوبُ من حيثُ تَطْمَعُ
وأكثرُ خوفِ الناسِ ليس بكائنِ
فما درْكُ الهمِّ الذي ليس ينفعُ
تعامَلْ معَ الأمرِ الواقعِ
إذا هوَّنت ما قدْ عزَّ هان ، وإذا أيسْت من الشيءِ سلتْ عنهُ نفسُك: ? سَيُؤْتِينَا اللّهُ مِن فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللّهِ رَاغِبُونَ ? .
قرأتُ أنَّ رجلًا قفز منْ نافذةٍ وكان بأصبعِه اليسرى خاتم ، فنشب الخاتمُ بمسمارِ في النافذةِ ، ومع سقوطِ الرجلِ اقتلع المسارُ أصبعه من أصلها ، وبقي بأربعُ أصابع ، يقولُ عنْ نفسِهِ: لا أكادُ أتذكَّرُ أن لي أربعُ أصابع في يدٍ فحسبُ ، أو أنني فقدتُ أصبُعًا من أصابعِي إلا حينما أتذكرُ تلك الواقعةَ ، وإلا فعلمي على ما يرامُ ، ونفسي راضيةٌ بما حدث: (( قدّر اللهُ وما شاء فعل ) ).
وأعرفُ رجلًا بُتِرتْ يدُه اليسرى من الكتِفِ لمرضٍ أصابهُ ، فعاش طويلًا وتزوَّج ، ورُزق بنين ، وهو يقودُ سيارتهُ بطلاقةٍ ، ويؤدي عمله بارتياحٍ ، وكأنَّ اللهِ لم يخلقْ له إلا يدًا واحدةً: (( ارض بما قسم اللهُ لك ، تكنْ أغنى الناس ) ).
ما أسرع ما نتكيَّف مع واقعِنا ، وما أعجب ما نتأقلمُ مع وضعِنا وحياتِنا ، قبل خمسين سنةً كان قاعُ البيتِ بساطًا منْ حصيرٍ النخلِ ، وقربة ماءٍ ، وقدرًا منْ فخارٍ ، وقصعةً ، وجفنةً، وإبريقًا ، وقامتْ حياتُنا واستمرتْ معيشتُنا ، لأننا رضينا وسلَّمنا وتحاكمْنا إلى واقعِنا.
والنفسُ راغبةٌ إذا رغَّبْتها
وإذا تُردُّ إلى قليلٍ تقْنعُ