ولمَّا آذى مِسْطَحٌ أبا بكرٍ في عِرْضِهِ وفي ابنتِهِ عائشة ، حلف أبو بكرٍ لا ينفقُ على مسطحٍ ، وكان فقيرًا ينفقُ عليه أبو بكرٍ ، فأنزل اللهُ: ? وَلَا يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ أَن يُؤْتُوا أُوْلِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ ? . قال أبو بكرٍ: بلى أُحِبُّ أن يغفرَ اللهُ لي . فأعاد له النفقة وعفا عنهُ .
وقال عيينهُ بنُ حِصْنٍ لعمر: هيهِ يا عمرُ ؟ والله ما تعطينا الجَزْلَ ، ولا تحكمُ فينا بالعدْلِ . فهمّ به عمرُ ، فقال الحرُّ بنُ قيس: يا أمير المؤمنين ، إنَّ الله يقول: ? خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ ? ، قال: فواللهِ ما جاوزها عمرُ ، وكان وقَّفًا عند كتابِ اللهِ .
وقال يوسُفُ إخوتِهِ: ? قَالَ لاَ تَثْرَيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ? .
وأعلنها - صلى الله عليه وسلم - في الملأِ فيمنْ آذاهُ وطرده وحاربه منْ كفارِ قريش ، قال: (( اذهبُوا فأنتمُ الطلقاءُ ) )قالها يوم الفتحِ ، وفيِ الحديثِ: (( ليس الشديدُ بالصُّرَعَةِ ، إنَّما الشديدُ الذي يملكُ نفسه عندَ الغضبِ ) ).
قال ابنُ المباركِ:
إذا صاحبت قومًا أهل وُدٍّ
فكْن لهمُ كذي الرَّحِمِ الشفيقِ
ولا تأخذْ بزلَّةِ كلِّ قومٍ
فتبقى في الزمانِ بلا رفيقِ
قال بعضُهم: موجودٌ في الإنجيل: اغفرْ لمنْ أخطأ عليك مرةً سبع مراتٍ ? مَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ ?
أيْ: منْ أخطأ عليك مرةً فكرِّرْ عليه العَفْوَ سبع مراتٍ ، ليسلم لك دينُك وعِرْضُك ، ويرتاح قلبُك ، فإنَّ القَصَاصَ منْ أعصابِك ومنْ دمِك ، ومنْ نومِك ومنْ راحتِك ومنْ عِرضِك ، وليس من الآخرين .
قال الهنودُ في مثلٍ لهم: « الذي يقهرُ نفسه: أشجعُ من الذي يفتحُ مدينةً » . ? إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّيَ ? .
« أما دعوةُ ذي النونِ ، فإنَّ فيها منْ كمالِ التوحيدِ والتنزيهِ للربِّ تعالى ، واعترافِ العبدِ بظلمهِ وذنبه ، ما هو منْ أبلغ أدويةِ الكربِ والهمِّ والغمِّ ، وأبلغ الوسائلِ إلى اللهِ سبحانه في قضاءِ الحوائجِ فإنَّ التوحيد والتنزيهَ وتضمَّنانِ إثبات كلِّ كمالٍ للهِ ، وسلب كلِّ نقصٍ وعيبٍ وتمثيلٍ عنه . والاعترافُ بالظلمِ يتضمَّنُ إيمان العبدِ بالشرعِ والثوابِ والعقابِ ، ويُوجبُ انكساره ورجوعهُ إلى اللهِ ، واستقالته عثرته ، والاعتراف بعبوديتهِ وافتقارِه إلى ربِّه فهاهنا أربعة أمورٍ قدْ وقع التوسُّلُ بها: التوحيدُ ، والتنزيهُ ، والعبوديةُ ، والاعترافُ » .
? وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ {155} الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ {156} أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ ? .
اعتنِ بالظاهرِ والباطنِ
صفاءُ النفسِ بصفاءِ الثوبِ ، وهنا أمرٌ لطيفٌ وشيءٌ شريف ، وهو أنَّ بعض الحكماءِ يقولُ: منِ اتسخ ثوبُه ، تكدَّرتْ نفسُه . وهذا أمرٌ ظاهرٌ .
وكثيرٌ من الناسِ يأتيهِ الكَدَرُ بسببِ اتساخ ثوْبِهِ ، أو تغيُّرِ هِندامِهِ ، أو عدمِ ترتيبِ مكتبتِهِ ، أو اختلاطِ الأوراقِ عنده ، أو اضطرابِ مواعيدِه وبرنامِجِه اليوميِّ ، والكونُ بُني على النظامِ ، فمنْ عَرَفَ حقيقة هذا الدِّينِ ، علم أنه جاء لتنظيمِ حياةِ العبدِ ، قليلِها وكثيرِها ، صغيرِها وجليلِها ، وكلُّ شيءٍ عنده بحُسْبانٍ ? مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ ? . وفي حديثٍ عند الترمذيِّ: (( إنَّ الله نظيفٌ يحبُّ النظافة ) ).
وعند مسلمٍ في الصحيحِ: (( إنَّ الله جميلٌ يحبُّ الجمال ) ).
وفي حديثٍ حسنٍ: (( تجمَّلُوا حتى تكونوا كأنكمْ شامةٌ في عيونِ الناسِ ) ).
يمشون في الحُللِ المضاعفِ نسْجُها
مشي الجمالِ إلى الجِمالِ البُزَّلِ
زأولُ الجمالِ: الاهتمامُ بالغسلِ . وعند البخاري: (( حقٌّ على المسلمِ أنْ يغتسل في كلِّ سبعةِ أيامٍ يومًا ، يغسلُ فيه رأسه وجسمهُ ) ).
هذا على أقلِّ تقديرٍ . وكان بعضُ الصالحين يغتسلُ كلَّ يومٍ مرةً كعثمان بنِ عفان فيما ورد عنهُ ، ? هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ ? .
ومنها خصالُ الفطرةِ: كإعفاءِ اللحيِة وقصِّ الشاربِ ، وتقليمِ الأظافرِ ، وأخذِ الشعرِ الزائدِ من الجسمِ ، والسواكِ ، والطِّيبِ ، وتخليلِ الأسنانِ ، وتنظيفِ الملابسِ ، والاعتناءِ بالمظهرِ ، فإنَّ هذا مما يوسِّعُ الصدر ويفسحُ الخاطر . ومنها لُبسُ البياضِ ، (( البسوا البياض ، وكفِّنوا فيه موتاكمْ ) ).
رقاقُ النعالِ طيّبًا حُجُزاتُهم
يُحيّون بالرَّيْحانِ يوم السباسِبِ
وقد عقد البخاريُّ باب: لبسِ البياضِ: (( إنَّ الملائكة تنزلُ بثيابٍ بيضٍ عليهمْ عمائمُ بِيضٌ ) ).
ومنها ترتيبُ المواعيدِ في دفترٍ صغيرٍ ، وتنظيمُ الوقتِ ، فوقتٌ للقراءةِ ، ووقتٌ للعبادةِ ، ووقتٌ للمطالعةِ ، ووقتٌ للراحة ، ? لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ ? ، ? وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ ? .