ومنْ شِيم المؤمنِ عدمُ الاكتراثِ بالنقْدِ الجائر الظالمِ ، فلمْ يَسْلَمْ من السَّبِّ والشَّتْمِ حتى ربُّ العالمين ، الذي هو الكاملُ الجليلُ الجميلُ ، تقدَّستْ أسماؤُه .
قلتُ في أبياتٍ لي:
فعلام تَحْرِقُ أدمُعًا قد وُضِّئتْ
ويظلُّ يُقْلِقُ قلْبَك الإرهابُ
وكِّلْ بها ربًّا جليلًا كلَّما
نام الخلِيُّ تَفَتَّحتْ أبوابُ
إياك وعِشْق الصُّورِ ، فإنَّها همٌّ حاضِر ، وكَدَرٌ مستمرٌّ . منْ سعادةِ المسلمِ يُعدُه عنْ تأوُّهاتِ الشعراءِ وولهِهِم وعشقِهم ، وشكواهُم الهجْر والوصْل والفراق ، فإنَّ هذا منْ فراغ القلبِ ? أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً ? .
وأنا الذي جَلَبَ المنيَّة طَرْفُهُ
فمنِ المُطالبُ والقتيلُ القاتِلُ
والمعنى: إنني أستحقُّ وأستأهلُ ما ذُقتُ من الألمِ والحسرةِ ؛ لأنني المتسبِّبُ الأعظمُ فيما جرى لي .
وآخرُ أندلسٌّ يتباهى بكثرةِ هيامِه وعشقِه وولهِهِ ، فيقولُ:
شكا ألم الفِراقِ النَّاسُ قبْلي
ورُوِّع بالجوى حيٌّ وميْتُ
وأمّا مِثْلما ضمَّتْ ضلوعي
فإنِّي ما سمعتُ ولا رأيْتُ
ولو ضمَّ بين ضلوعهِ التقوى والذْكر وروحانيّةً وربّانيّةً ، لَوَصَلَ إلى الحقِّ ، ولَعَرَ الدليل ، ولأبصر الرُّشد ، ولَسَلَك الجادَّة: ? وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللّهِ ? ، ?إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَواْ إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ ? .
إنَّ ابن القيِّمِ عالج هذهِ المسألة علاجًا شافيًا كافيًا في كتابِهِ (الداءُ والدواءُ) فليُرْجَعْ إليهِ.
إن للعشق أسبابًا منها:
فراغُ منْ حُبِّه سبحانه وتعالى وذكْرِهِ وشُكرِه وعبادتِهِ .
إطلاقُ البصرِ ، فإنهُ رائدٌ يجلبُ على القلبِ أحزانًا وهمومًا: ? قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ?، (( النظرةُ سهمٌ منْ سهامِ إبليس ) ).
وأنت متى أرسلت طرْفك رائدًا
إلى كلِّ عينٍ أتعبتْكَ المناظِرُ
رأيت الذي لا كُلُّه أنت قادرٌ
عليه ولا عنْ بعضِهِ أنت صابِرُ
التقصيرُ في العبوديَّةِ ، والتقصيرُ في الذِّكْرِ والدُّعاءِ والنوافلِ ? إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ ? .
أمَّ دواءُ العِشْقِ ، فمنْهُ:
? كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاء إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ ? .
الانطراحُ على عتباتِ العبوديِّةِ ، وسؤالُ المولى الشِّفاء والعافية .
وغضُّ البصرِ وحفْظُ الفرْجِ ? وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ? ، ? وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ ? .
وهجْرُ ديارِ منْ تعلَّق بهِ القلبُ ، وتركُ بيتهِ وموطنِهِ وذكْرِهِ .
والاشتغالُ بالأعمالِ الصالحةِ: ? إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا ? .
والزَّواجُ الشَّرْعيُّ ? فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء ? ، ? وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا ? ، (( يا معشر الشبابِ ، منِ استطاع منكمُ الباءة فليتزوَّجْ ) ).
حقوقُ الأخوَّةِ
مما يُسعدُ أخاك المسلم أنْ تُناديهِ بأحبِّ الأسماءِ إليهِ .
أُكْنِيهِ حين أُناديِه لأُكرِمهُ
ولا أُلقِّبُهُ والسَّوْءَةُ اللَّقبُ
وأنْ تهشَّ وتَبَشَّ في وجهِه (( ولو أنْ تلْقى أخاك بوجه طلْقٍ ) )، (( تبسُّمُك في وجهِ أخيك صدقةٌ ) ). وأنْ تشجِّعهُ على الحديثِ معك - أي تتركَ له فرصةً ليتكلَّم عنْ نفسِه وعن أخبارِهِ - وتأل عنْ أمورِه العامّةِ والخاصّةِ ، التي لا حَرَجَ في السؤالِ عنها ، وأنْ تهتمّ بأموره (( منْ لم يهتمَّ بأمرِ المسلمين فليس منهمْ ) )، ? وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ ? .
ومنها: أنْ لا تلومه ولا تعْذله على شيءٍ مضى وانتهى ، ولا تحرجه بالمزاحِ: (( لا تُمارِ أخاك ولا تُمازِحْه ، ولا تعِدهُ موعدًا فتُخْلِفه ) ).
« أسرارٌ في الذنوبِ .. ولكنْ لا تذنبْ ! »
ذكر بعضُ أهلِ العلمِ: أنَّ الذنب كالختْمَ على العبد ، ومنْ أسرارها بعد التوبةِ: قصْمُ ظهر العُجْبِ ، وكثرةُ الاستغفارِ والتوبةُ والإنابةُ والتَّوجُّهُ والانكسارُ والندامة ، ووقوع القضاءِ والقدرِ ، والتَّسليمُ بعبوديَّةِ مُقابلةِ القضاءِ والقدرِ .
ومنها: تحقُّقُ أسماءِ اللهِ الحسنى وصفاتِه العُلى مثلِ: الرحيمِ والغفورِ والتَّوّابِ .
اطْلُبِ الرزق ولا تحرِصْ
سبحان الخالقِ الرازقِ ، أعطى الدودةَ رزقها في الطَّينِ ، والسمكة في الماءِ ، والطائرَ في الهواءِ ، والنملةَ في الظَّلماءِ ، والحيَّة بين الصخورِ الصَّمّاءِ .
ذَكَرَ ابنُ الجوزيِّ لطيفةً من اللَّطائفِ: أنَّ حيَّةُ عمياء كانتْ في رأسِ نخلةٍ ، فكان يأتيها عصفورٌ بلحمٍ في فمِه ، فإذا اقترب منها وَرْوَرَ وصفَّرَ ، فتفتحُ فاها ، فيضعُ اللحم فيهِ سبحان منْ سخرَّ هذا لهذِه ? وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُم ? .
وإذا ترى الثعبان ينفُثُ سُمَّهُ
فاسألهُ منْ ذا بالسُّمومِ حشاكا
واسألهُ كيف تعيشُ يا ثعبانُ أو
تحيا وهذا السُّمُّ يَمْلأُ فاكا