وتمامُها أنْ لا يُنغِّصها نكَدٌ ، وأنْ لا يخْدشَ وجهُ محاسِنها بسخطٍ .
جلس النعمانُ بنُ المنذرِ - ملكُ العراقِ - تحت شجرةٍ متنزَّهًا يشربُ الخَمْرَ فأراد عديُّ بنُ زيد - وكان حكيمًا - أنْ يعظه بلفظٍ فقال له: أيُّها الملكُ ، أتدري ماذا تقولُ هذهِ الشَّجرةُ ؟ قال الملكُ: ماذا تقول: قال عديٌّ: تقولُ:
رُبَّ ركبِ قدْ أناخُوا حولنا
يمْزُجُون الخمر بالماءِ الزُّلالْ
ثمَّ صاروا لَعِب الدَّهْرُ بهمْ
وكذاك الدَّهرُ حالًا بعد حالْ
فتنغصُ النعمانُ ، وترك الخمر ، وبقي متكدِّرًا حتى مات .
وهذا شاهُ إيران الذي احتفل بمرورِ ألفينِ وخمسمائةِ سنةٍ على قيام الدولةِ الفارسيِّةِ ، وكان يُخطِّطُ لتوسيعِ نفوذِه ، وبسْطِ ملكهِ على بقعةٍ أكبر منْ بلدِهِ ، ثم يُسلب سلطانُه بين عشيَّةٍ وضحاها ? تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاء وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاء ? .
ويطرُدُ منْ قصورِهِ ودُورِهِ ودنياه طردًا ، ويموتُ مشرَّدًا بعيدًا محرُومًا مفلسًا ، لا يبكي عليه أحدٌ: ? كَمْ تَرَكُوا مِن جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ {25} وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ {26} وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ ? .
وكذلك شاوشيسكو رئيسُ رومانيا ، الذي حكم اثنتين وعشرين سنة ، وكان حَرَسُه الخاصُّ سبعين ألفًا ، ثمَّ يحيطُ شعبُه بقصرِهِ ، فيمزِّقونهُ وجنودهُ إربًا إربًا ? فَمَا كَانَ لَهُ مِن فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ المُنتَصِرِينَ ? . لقدْ ذهب ، فلا دنيا ولا آخرة .
وذاك رئيسُ الفلبينِ ماركوس: جمع الرئاسة والمال ، ولكنَّه أذاق أمَّته أصناف الذُّلّ ، وأسقاها كأس الهوانِ ، فأذاقه اللهُ غُصص التعاسةِ والشقاءِ ، فإذا هو مشرَّدٌ منْ بلادِهِ ومنْ أهلِه وسلطانِه ، لا يملكُ مأوى يأوي إليه ، ويموتُ شقيًّا ، يرفضُ شعبُهُ أن يُدفَنَ في بلدِهِ: ? أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ? ، ? فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى? ، ? فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنبِهِ? .
مطلوبٌ من العبدِ لكيْ يكسب السعادة والأمن والراحة ، أن يُبادر إلى الفضائل ، وأنْ يُسارع إلى الصفاتِ الحميدةِ والأفعالِ الجميلةِ (( احرصْ على ما ينفعُك واستعِنْ باللهِ ) ).
أحدُ الصحابةِ يسألُ الرسول - صلى الله عليه وسلم - مرافقَتَهُ في الجنةِ فيقول: (( أعِنِّي على نفسِك بكثْرةِ السجودِ ، فإنَّك لا تسجُدُ للهِ سجدةً ، إلاَّ رَفَعَك بها درجة ) ). والآخرُ يسألُ عنْ بابٍ جامعٍ من الخيرِ ، فيقولُ له: (( لا يزالُ لسانُك رطباُ من ذكر اللهِ ) ). وثالثٌ يسألُ فيقولُ له: (( لا تسُبَّنَّ أحدًا ، ولا تضرِبنَّ بيدِك أحدًا ، وإنْ أحدٌ سبَّك بما يعلمُ فيك فلا تسُبَّنَّه بما تعلمُ فيه ، ولا تحقِرنَّ من المعروفِ شيئًا ، ولو أنْ تُفْرِغ منْ دَلْوِك في إناءِ المستقي ) ).
إنَّ الأمر يقتضي المبادَرَةَ والمُسارعة: (( بادرِوا بالأعمالِ فتنًا ) )، (( اغتنِمْ خمسًا قبل خمسٍ ) )، ?وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ ?، ? إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ? ، ? وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ ? .
لا تُهمِلْ في فِعْلِ الخَيْرِ ، ولا تنتظرْ في عملِ البِرِّ ، ولا تُسوِّفْ في طَلَبِ الفضائلِ:
دقَّاتُ قلبِ المرءِ قائلةٌ له
إنَّ الحياة دقائقٌ وثوانِ
? وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ ? .
عمرُ بنُ الخطابِ بعد أنْ طُعِن وثَجَّ دمُه ، يرى شابًّا يجرُّ إزاره ، فقال له عمرُ: (( يا ابن أخي ، ارْفَعْ إزارك ، فإنهُ أتقى لربِّك ، وأنْقى لثوبك ) ). وهذا أمرٌ بالمعروفِ في سكراتِ الموتِ ? لِمَن شَاء مِنكُمْ أَن يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ ? .
إنَّ السعادة لا تحصلُ بالنومِ الطويلِ ، والخلودِ إلى الدَّعةِ ، وهَجْرِ المعالي ، واطِّراحِ الفضائلِ . ? وَلَكِن كَرِهَ اللّهُ انبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُواْ مَعَ الْقَاعِدِينَ ? .
إنَّ منطق أصحابِ الهممِ الدَّنيَّةِ والنفوسِ الهابطةِ يقولُ: ? لاَ تَنفِرُواْ فِي الْحَرِّ ? ، ? لَّوْ كَانُواْ عِندَنَا مَا مَاتُواْ وَمَا قُتِلُواْ ? .
وقد نهي العبدُ بالوحي عن التَّأخرِ عنْ فِعلِ الخيرِ: ? مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ ? ، ? وَإِنَّ مِنكُمْ لَمَن لَّيُبَطِّئَنَّ ? ، ? وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ ? ، ? أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ ? ، ? ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّواْ الْحَيَاةَ الْدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ ? ، ? وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ ? ، ?وَإِذَا قَامُواْ إِلَى الصَّلاَةِ قَامُواْ كُسَالَى ? ، (( اللَّهمَّ إني أعوذُ بك من الكسلِ ) )، (( والكيُسُ منْ دان نفْسه وعمِل لما بعد الموتِ ، والعاجزُ منْ أتْبَعَ نَفْسَه هواها ، وتمنَّى على اللهِ الأماني ) ).
الخُلدُ والنعيمُ هناك لا هُنا
هلْ تريدُ أن تبقى شابًّا مُعافىً غنيًّا مخلَّدًا ؟ إنْ كنت تريدُ ذلك فإنهُ ليس في الدنيا ، بلْ هناك في الآخرةِ ، إنَّ هذهِ الحياة الدنيا كَنَبَ اللهُ عليها الشقاء والفناء ، وسمَّاها لهوًا ولعِبًا ومتاع الغرورِ .