وصحَّ: (( أن جبريل يُنادي في أهلِ السماءِ: إنَّ يحبُّ فلانًا فأحبُّوه ، فيُحبُّهُ أهلُ السماءِ ، ويُوضعُ له القبُول في الأرضِ ) ).
ومنْ أسبابِ الودِّ: بسْطةُ الوجهِ ولِينُ الكلامِ وسَعَةُ الخُلقُ .
إنَّ منْ العواملِ القويةِ في جلْبِ أرواحِ الناسِ إليك: الرِّفقُ ؛ ولذلك يقولُ - صلى الله عليه وسلم -: (( ما كان الرِّفقُ في شيءٍ إلا زانه ، وما نُزع منْ شيءٍ إلا شانهُ ) ).
ويقول: (( من يُحرم الرفق ، يُحرم الخير كلّه ) ).
قال أحد الحكماء: الرفق يُخرج الحيَّة من جُحْرها .
قال الغربيُّون: اجْنِ العسل ، ولا تَكْسِرِ الخلِيَّة .
وفي الحديثِ الصحيحِ: (( المؤمُن كالنَّحْلةِ تأكلُ طيِّبًا ، وتضعُ طيّبًا ، وإذا وقعتْ على عودٍ ، لم تكسِرْهُ ) ).
وممَّا يجلُب الفرح والسُّرور: الأسْفارُ والتَّنقُّلُ في الدِّيارِ ورؤيةُ الأمصارِ ، وقد سبقتْ كلمةٌ في أوّل هذا الكتابِ عنْ هذا . قال سبحانه: ? انظُرُواْ مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ? ، ? قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا ? ، ? أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُواْ ? .
قال الشاعرُ:
ولا تلبثْ بِربْعٍ فيه ضيْمٌ
يُذيبُ القلب إلا إنْ كُبِلْتا
وغرِّبْ فالتَّغرُّبُ فيه نفْعٌ
وشرِّقْ إنْ بِرِِيِقك قدْ شرِقْتا
ومنْ يقرأْ رحلة ابنِ بطُّوطة ، على ما فيها من المبالغاتِ ، يجِدِ العَجَبَ العجاب مِن خلْقِ اللهِ سبحانه وتعالى ، وتصريفِه في الكونِ ، ويرى أنها من العِبر العظيمةِ للمؤمنِ ، ومن الراحةِ له أنْ يسافر ، وأنْ يغِّيرَ أجواءه ومكانه ومحلَّه ، لقرأ في هذا الكتابِ الكونيِّ المفتوحِ .
يقولُ أبو تمام - وهو يتحدَّث عن التنقلِ في الدِّيارِ -:
بالشَّامِ أهلي وبغدادُ الهوى وأنا
بالرَّقْمتينِ وبالفسطاطِ جِيراني
? قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ? ، ? فَسِيحُواْ فِي الأَرْضِ ? ، ? حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ ? ، ? حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا ? .
تهجَّدْ مع المتهجِّديِن
ومما يُسعدُ النَّفْس ويشرحُ الصدر: قيامُ الليلِ .
وقدْ ذكر - صلى الله عليه وسلم - في الصحيح: أنَّ العبد إذا قام من الليلِ ، وذكر الله ، ثم توضَّأ وصلَّى ، أصبح نشيطًا طيِّب النفْسِ . ? كَانُوا قَلِيلًا مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ ? ، ? وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ ? .
وقيامُ الليلِ يُذهبُ الدّاء عن الجسدِ ، وهو حديثٌ صحيحٌ عند أبي داود: (( يا عبدالله ، لا تُكنْ مثْل فلانٍ ، كان يقومُ الليل ، فتَركَ قيامَ الليلِ ) )، (( نِعْمَ الرجلُ عبدُاللهِ لو كان يقومُ من الليلِ ) ).
لا تأسفْ على الأشياءِ الفانيةِ ، كلُّ شيءٍ في هذه الحياةِ فانٍ إلا وجْههُ سبحانه وتعالى ?كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ ? ، ? كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ {26} وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ ? .
إنَّ الإنسان الذي يأسفُ على دنياه ، كالطِّفلِ الذي يبكي على فقْدِ لعبتِهِ .
وَقْفَةٌ
« كلُّ اثنينِ منهما قرينانِ ، وهما منْ آلامِ الرُّوح ومعذّباتِها ، والفرْق بينهما أنَّ الهمَّ توقُّع الشَّرِّ في المستقبلِ ، والحزُن التَّألُّمُ على حُصُولِ المكروهِ في الماضي أو فواتُ المحبوبِ ، وكلاهما تألُّمٌ وعذابٌ يرِدُ على الرُّوحِ ، فإنْ تعلَّق بالماضي سُمِّي حزنًا ، وإنْ تعلّق بالمستقبلِ سُمِّي همًّا » .
(( اللَّهمَّ إني أسألك العافية في الدُّنيا والآخرةِ ، اللَّهمَّ إني أسألُك العفْو والعافية في ديِني ودُنياي وأهلي ومالي ، اللهمَّ استُرْ عوراتي وآمِنْ روْعاتي ، اللهم احفظني منْ بينِ يديَّ ومِنْ خلْفي ، وعنْ يميني وعنْ شمالي ومِنْ فوقي ، وأعوذُ بعظمتك أنْ أُغْتال مِنْ تحتي ) ).
قال الشاعرُ:
ألم تر أنَّ ربَّك ليس تٌحصى
أيادِيهِ الحديثةُ والقديمهْ
تَسَلَّ عنِ الهمومِ فليس شيءٌ
يُقيِمُ ولا همومُك بالمُقيمهْ
لعلَّ الله ينظُرُ بعد هذا
إليك بنظرةٍ مِنْهُ رحيِمهْ
ثَمَنُك الجنَّةُ
يقولُ للشاعرُ:
نفسْي التي تملِكُ الأشياء ذاهبةٌ
فكيف أبكي على شيءٍ إذا ذهبا
إنَّ الدنْيا بذهبِها وفضَّتِها ومناصبِها ودُورِها وقصورِها لا تستأهلُ قطرة دمعٍ ، فعند الترمذيِّ أنَّ الرسول - صلى الله عليه وسلم - قال: (( الدنيا ملعونةٌ ، ملعونٌ ما فيها إلا ذكْر اللهِ ، وما والاه ، وعالمًا ومتعلَّمًا ) ).
إنها ودائعُ فحسْبُ ، كما يقولُ لبِيدُ:
وما المالُ والأهلون إلا ودِيعةٌ
ولابدَّ يومًا أنْ تُردَّ الودائعُ
إن الملياراتِ والعقاراتِ والسياراتِ لا تؤخِّرُ لحظةً واحدةً منْ أجلِ العبدِ ، قال حاتمُ الطّائيُّ:
لعَمْرُكَ ما يُغني الثَّراءُ عن الفتى
إذا حشرجتْ يومًا وضاق بها الصَّدْرُ
ولذلك قال الحكماءُ: اجعلْ للشيء ثمنًا معقولًا، فإنَّ الدنيا وما فيها لا تُساوي المؤمنِ: ? وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ ? .
ويقولُ الحسنُ البصريُّ: لا تجعلْ لنفسِك ثمنًا غير الجنةِ ، فإنَّ نفْس المؤمنِ غاليةٌ ، وبعضُهم يبيعها برُخْصٍ .