إن على العبدِ أن يُنهي هذه الضوائق النفسية بقرارِه الصارمِ ، إن العمر واحدٌ ، وإن اليوم لن يتكرَّر ، وإن الساعة لن تعود ، فعليه أن يعيشها سعادةً يشارك فيها بنفسِه ، يشاركُ بنفسِه في استجلابِ هذه السعادةِ ، وتأتي هذه السعادةُ باتخاذِ القرارِ . إن العبد المسلم إذا همَّ وعزم وتوكل على اللهِ بعد أن يستخير ويُشاوِر ، صار كما قال الأول:
إذا همَّ ألقى بين همَّيْه عينهُ
وأعرض عن ذكْرِ العواقبِ جانبا
إقدامٌ كإقدام السيل ، ومضاءٌ كمضاءِ السيفِ ، وتصميمٌ كتصميمِ الدهرِ ، وانطلاقٌ كانطلاقِ الفجرِ ، ? فَأَجْمِعُواْ أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءكُمْ ثُمَّ لاَ يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُواْ إِلَيَّ وَلاَ تُنظِرُونِ ? .
عجبًا لنا ! نريدُ من الناسِ أن يكونوا حلماء ونحنُ نغضبُ ، ونريدُ منهم أن يكونوا كرماء ونحن نبخلُ ، ونريد منهم الوفاء بحسن الإخاءِ ، ونحن لا نؤدي ذلك .
تُريدُ مهذَّبًا لا عيب فيهِ
وهل عُودٌ يفوحُ بلا دُخانِ
وقالوا: من لأخيك كلِّه .
وقال آخر:
ولست بِمُسْتبْقٍ أخًا لا تلُمُّهُ
على شعثٍ أيُّ الرجالِ المهذَّبُ
وقال ابنُ الروميُّ:
ومِنْ عجبِ الأيامِ أنَّك تبتغي الـ
ـمهذَّب في الدنيا ولست مُهذَّبا
وقفةٌ أيُّها الشاكي وما بك داءٌ
قال إيليا أبو ماضي:
أيُّها الشاكي وما بك داءٌ
كيف تغدو إذا غدوت عليلا
إنَّ شرَّ الجُناةِ في الأرض نفسٌ
تتوقَّى ،قبل الرحيلِ الرَّحيلا
وترى الشَّوْك في الورودِ، وتعمْى
أن ترى فوقها الندى إكليلا
هو عبءٌ على الحياةِ ثقيلٌ
مَنْ يظُنُّ الحياة عبئًا ثقيلا
والذي نفسُهُ بغير جمالٍ
لا يرى في الوجودِ شيئًا جميلا
فتمتَّعْ بالصُّبحِ ما دُمت فيهِ
لا تخفْ أنْ يزول حتى يزُولا
وإذا ما أظلَّ رأْسك همٌّ
قصِّر البحث فيه كيْلا يطُولا
أدركتْ كُنْهَهَ طيورُ الرَّوابي
فمِن العارِ أن تظلَّ جهُولا
ما تراها والحقلُ مِلْكُ سواها
تخِذتْ فيه مَسْرَحًا ومقيلا
ضريبةُ الكلامِ الخلاَّبِ
إنّ سعادتنا تكملُ في قيامِنا بواجبنا مع خالقِنا ، ثم مع خلْقِه ، مع اللهِ ثم مع الإنسانِ . إن الكلام سهلٌ نطقُه وتجبيرُه وزخرفتُه ، لكن الأصعب من ذلك صياغتُه في مُثُلٍ عليا من الصفاتِ الحميدةِ والأعمالِ الجليلةِ ? أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ ? .
إنَّ الآمر بالمعروفِ التارك له ، والناهي عن المنكرِ الفاعل له ، يُوضعُ - كما في الحديث الصحيح - يوم القيامةِ في النارِ ، فيدورُ بأمعائِه كما يدورُ الحمارُ برحاهُ ، فيسأله أهلُ النارِ عن سرِّ هلاِكه ، فقال: كنتُ آمرُكم بالمعروفِ ولا آتيهِ ، وأنهاكُم عن المنكرِ وآتيةِ .
يا أيُّها الرجلُ المعلِّمُ غَيرهُ
هلاَّ لنفسِك كان ذا التعليمُ
وقف الوعظُ الشهيرُ أبو معاذ الرازي فبكى وأبكى الناس ، ثم قال:
وغيرُ نقيِّ يأمرُ الناس بالتقى
طبيبٌ يداوي الناس وهُو عليلٌ
كان بعضُ السلفِ إذا أراد أن يأمر الناس بالصدقةِ ، تصدَّق هو أولًا ، ثم أمرهم ، فاستجابُوا طواعيةً .
وقرأتُ أن واعظًا في عهدِ القرونِ المفضَّلةِ ، أراد أن يأمر الناس بالعِتْقِ ، وقد طلب منه كثيرٌ من الرقيق أن يسأل الناس ذلك ، فجمع نقودًا في وقتٍ طويل ثم أعتق رقبةً ، ثم أمَّ فأمرَ بالعِتْق ، فاقتدى الناسُ وأعتقُوا رقابًا كثيرة .
الراحةُ في الجنَّةِ
? لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَدٍ ? .
يقولُ أحمدُ بنُ حنبلَ ، وقد قيل له: متى الراحةُ ؟ قال: إذا وضعت قدمك في الجنةِ ارتحت .
لا راحة قبل الجنةِ ، هنا في الدنيا إزعاجاتُ وزعازعُ وفتنٌ وحوادثُ ومصائبُ ونكباتُ ، مَرَضٌ وهمٌّ وغمُّ وحزنٌ ويأسٌ .
طُبِعَتْ على كدرٍ وأنت تريدُها
صفوًا من الأقذاءِ والأكدارِ
أخبرني زميلُ دراسةٍ من نيجيريا ، وكان رجلًا صاحب أمانةٍ ، أخبرني أن أمَّه كانت تُوقظُه في الثلثِ الأخير ، قال: يا أمَّاهُ ، أريد الراحة قليلًا . قالت: ما أوقظك إلا لراحتِك ، يا بني إذا دخلت الجنة فارتحْ .
كان مسروقٌ - أحدُ علماءِ السلفِ - ينامُ ساجدًا ، فقال له أصحابهُ: لو أرحت نفسك . قال: راحتها أريدُ .
إن الذين يتعجَّلون الراحة بتركِ الواجبِ ، إنما يتعجَّلون العذاب حقيقةً .
إنَّ الراحةً في أداءِ العمل الصالحِ ، والنفعِ المتعدِّي، واستثمارِ الوقتِ فيما يقرِّبُ من اللهِ .
إنَّ الكافر يريدُ حظَّه هنا ، وراحتَهُ هنا ، ولذلك يقولون: ? رَبَّنَا عَجِّل لَّنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ ? .
قال بعضُ المفسِّرين: أي: نصيبنا من الخَيْرِ وحظَّنا من الرزقِ قبل يومِ القيامةِ .
? إِنَّ هَؤُلَاء يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ ? ، ولا يفكِّرون في الغدِ ولا في المستقبلِ ، ولذلك خسرُوا اليوم والغد ، والعمل والنتيجة ، والبداية والنهاية .
وهكذا خُلقتِ الحياةِ ، خاتمتُها الفناءُ فهي شربٌ مكدَّرٌ ، وهي مزاجٌ ملوَّن لا تستقرُّ على شيء ، نعمةٌ ونقمةٌ ، شدَّةٌ ورخاءٌ ، غنىً وفقرٌ .
هذه هي النهاية:
? ثُمَّ رُدُّواْ إِلَى اللّهِ مَوْلاَهُمُ الْحَقِّ أَلاَ لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ ? .
وقفةٌ كمْ تشتكي وتقولُ إنك معُدِمُ
قال إيليا أبو ماضي:
كمْ تشتكي وتقولُ إنك معُدِمُ
والأرضُ ملكُك والسما والأنجُمْ؟
ولك الحقولُ وزهرُها وأريجُها
ونسيمُها والبُلْبلُ المترنِّمُ
والماءُ حولك فضَّةٌ رقْراقةٌ
والشمسُ فوقك عسْجدٌ يتضرَّمُ
والنورُ يبني في السُّفوح وفي الذُّرا