إنَّ أحد المنافقين أهمتْهُ نفسهُ ، وقال لأصحابهِ: لا تنفروا في الحرِّ . فقال سبحانه: ?قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا ? .
وقال آخرُ: ? ائْذَن لِّي وَلاَ تَفْتِنِّي ? . وهمُّه نفسُه ، فقال سبحانه: ? أَلاَ فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُواْ ? .
وآخرون أهمتْهُمْ أموالُهُمْ وأهلوهْم: ? شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا فَاسْتَغْفِرْ لَنَا ? . إنهِا الهمومُ التافهةُ الرخيصةُ ، التي يحملُها التافهون الرخيصون ، أما الصحابة الأجلاَّءُ فإنهمْ يبتغون فضلًا من اللهِ ورضوانًا .
راحةُ المؤمن غَفْلَةٌ ، والفراغُ قاتلٌ ، والعطالَةُ بطالَةٌ ، وأكثرُ الناسِ همومًا وغمومًا وكدرًا العاطلونَ الفارغونَ . والأراجيفُ والهواجسُ رأسُ مالِ المفاليسِ من العملِ الجادِّ المثمرِ .
فتحرَّك واعملْ ، وزاولْ وطالعْ ، واتْلُ وسبِّحْ ، واكتبْ وزُرْ ، واستفدْ منْ وقتِك ، ولا تجعلْ دقيقةً للفراغِ ، إنك يوم تفرغُ يدخلُ عليك الهمُّ والغمُّ ، والهاجسُ والوساوسُ ، وتصبحُ ميدانًا لألاعيبِ الشيطانِ .
اجعلْ عملك خالصًا لوجهِ اللهِ ، ولا تنتظرْ شكرًا من أحدٍ ، ولا تهتمَّ ولا تغتمَّ إذا أحسنت لأحدٍ من الناسِ ، ووجدته لئيمًا ، لا يقدِّرْ هذهِ اليد البيضاء ، ولا الحسنة التي أسديتها إليه ، فاطلبْ أجرك من اللهِ .
يقول سبحانه عن أوليائِه: ? يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا ? . وقال سبحانه عن أنبيائِه: ? وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ ? . ? قُلْ مَا سَأَلْتُكُم مِّنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ? .? وَمَا لِأَحَدٍ عِندَهُ مِن نِّعْمَةٍ تُجْزَى? . ? إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاء وَلَا شُكُورًا? .
قال الشاعرُ:
مَنْ يفعلِ الخيرَ لا يعدمْ جوازِيَهُ
لا يذهبُ العُرفُ بين اللهِ والناسِ
فعاملِ الواحدَ الأحد وحدهُ فهو الذي يُثيبُ ويعطي ويمنحُ ، ويعاقبُ ويحاسبُ ، ويرضى ويغضبُ ، سبحانهُ وتعالى .
قُتلَ شهداءُ بقندهار ، فقال عمرُ للصحابةِ: من القتلى ؟ فذكروا لهُ الأسماء ، فقالوا: وأناسٌ لا تعرفُهم . فدمعتْ عينا عمرَ ، وقال: ولكنَّ الله يعلَمُهم .
وأطعمَ أحدُ الصالحين رجلًا أعمى فالوْذَجًا ( من أفخرِ الأكلاتِ ) ، فقال أهلُه: هذا الأعمى لا يدري ماذا يأكلُ ! فقالَ: لكنَّ الله يدري !
ما دام أنَّ اللهَ مُطَّلِعٌ عليك ويعلمُ ما قدَّمته من خيرٍ ، وما عملته من بِرٍّ وما أسديتهُ منْ فضلٍ ، فما عليك من الناسِ .
لوم اللائمينَ وعذْل العُذَّالِ
? لَن يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذًى ? ? وَلاَ تَكُ فِي ضَيْقٍ مِّمَّا يَمْكُرُونَ ? . ? وَدَعْ أَذَاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا ? . ? فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا ? .
لا يضرُّ البحرَ أمسى زاخرًا
أنْ رمى فيهِ غلامٌ بِحَجَرْ
وفي حديثٍ حسن أنَّ الرسول - صلى الله عليه وسلم - قال:: (( لا تبلِّغوني عن أصحابي سوءًا ، فإني أُحِبُّ أنْ أخرجَ إليكمَ وأنا سليمُ الصَّدرِ ) ).
لا تحزنْ منْ قلَّةِ ذاتِ اليدِ ، فإن القِلَّةُ معها السّلامةُ
كلّما ترفَّهَ الجسمُ تعقدتِ الروحُ ، والقلَّةُ فيها السلامةُ ، والزهدُ في الدنيا راحةٌ عاجلةٌ يقدِّمها اللهُ لمن شاءَ من عبادهِ: ? إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا ? .
قال أحدُهم:
ماءٌ وخبزٌ وظِلُّ
ذاك النعيمُ الأجَلُّ
كفرتُ نعمةَ ربِّي
إنْ قلتُ إني مُقلُّ
ما هيَ الدنيا إلا ماءٌ باردٌ وخبزٌ دافئٌ ، وظلٌ وارفٌ !!
وقال الشافعي:
أمطري لؤلؤًا سماء سرنْديـ
ـبَ وفيِضي آبارَ تكْرُور تبِِرا
أنا إنْ عشتُ لستُ أعدمُ قوتًا
وإذا متُّ لستُ أعدمُ قبرا
همَّتي هِمَّةُ الملوكِ ونفسي
نفسُ حرٍّ ترى المذلَّةَ كُفْرا
إنها عزَّةُ الواثقين بمبادئِهمْ ، الصَّادقين في دعوتِهِمْ ، الجادّين في رسالتِهِمْ .
لا تحزنْ ممَّا يُتَوَقَّع
وُجدَ في التوراةِ مكتوبًا: أكثرُ ما يُخاف لا يكونُ !
ومعناهُ: إنَّ كثيرًا مما يتخوَّفُهُ الناسُ لا يقعُ ، فإنَّ الأوهامَ في الأذهانِ ، أكثُر من الحوادثِ في الأعيانِ .
إذا جاءك حدثٌ ، وسمعتَ بمصيبةٍ ، فتمهَّلْ وتأنَّ ولا تحزنْ ، فإنَّ كثيرًا من الأخبارِ والتوقُّعات لا صحَّة لها ، إذا كان هناك صارفٌ للقدرٍ فيُبحثُ عنهُ، وإذا لم يكنْ فأين يكونُ؟!
? َأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ {44} فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا ?.
نقْد أهلِ الباطلِ والحُسَّادِ
فإنك مأجورٌ - من نقدهمْ وحسدهِمْ - على صبرِك ، ثمَّ إنَّ نقدهُمْ يساوي قيمتك ، ثم إنَّ الناس لا ترفسُ كلبًا ميتًا ، والتافهين لا حُسَّاد لهم .
قال أحدُهمْ:
إن العرانين تلقاها مُحَسَّدةً
ولا ترى لِلِئَامِ الناسِ حُسَّادا
وقال الآخر:
حَسَدُوا الفتى إذْ لم ينالوا سعيَهُ
فالناسُ أعداءٌ لهُ وخصومُ
كضرائرِ الحسناءِ قُلْن لوجهِهَا
حسدًا ومقتًا إنهُ لذميمُ
وقال زهيرٌ:
مُحسَّدُون على ما كان من نِعَمٍ
لا ينزعُ الله منهمْ ما له حُسِدوا
وقال آخرُ:
همْ يحسدوني على موتي فوا أسفًا
حتى على الموتِ لا أخلو مِنَ الحسدِ
وقالُ الشاعرُ:
وشكوتَ مِن ظلمِ الوشاةِ ولنْ تجدْ
ذا سؤددٍ إلا أُصيب بحُسَّدِ
لا زلت ياسِبط الكرامِ محسَّدًا
والتافهُ المسكينُ غيرُ محسَّدِ