فهرس الكتاب

الصفحة 58 من 138

ثوبُ الرياءِ يشِفُّ عمَّا تحتهُ

فإذا التْحفْت بهِ فإنَّك عاري

الحياةُ الطيبةُ

من القضايا الكبرى المسلَّمةِ أنَّ أعظم هذه الأسبابِ التي أكتبُها هنا في جلبِ السعادةِ هو الإيمانُ باللهِ ربِّ العالمين ، وأنَّ السباب الأخرى والمعلوماتِ والفوائد التي جمعتْ إذا أُهديتْ لشخصٍ ولم يحصلْ على الإيمانِ باللهِ ، ولم يحُزْ ذلك الكنْز ، فلنْ تنفعه أبدًا ، ولا تفيده ، ولا يتعبْ نفسه في البحثِ عنها .

إنَّ الأصل الإيمانُ باللهِ ربًّا ، وبمحمدٍ نبيًّا ، وبالإسلامِ دينًا .

يقولُ إقبالُ الشاعرُ:

إنما الكافرُ حيرانُ له الآفاقُ تِيهْ

وأرى المؤمن كونًا تاهتِ الآفاقُ فيِه

وأعظمُ منْ ذلك و أصدقُ ، قولُ ربِّنا سبحانه: ? مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ? .

وهناك شرطان:

الإيمانُ باللهِ ، ثمَّ العملُ الصالحُ ، ? إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا ? .

وهناك فائدتان:

الحياةُ الطيبةُ في الدنيا والآخرةِ ، والأجرُ العظيمُ عند اللهِ سبحانهُ وتعالى ? لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَياةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ ? .

البلاءُ في صالحِك

لا تجزعْ من المصائبِ ، ولا تكترثْ بالكوارثِ ، ففي الحديثِ: (( إن الله إذا أحبَّ قومًا ابتلاهم ، فمنُ رضي فلهُ الرضا ، ومنْ سخط فَلَهُ السخطُ ) ).

عبوديةُ الإذعانِ والتسليمِ

ومنْ لوازمِ الإيمانِ أنْ ترضى بالقدرِ خيرهِ وشرِّهِ ، ? وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ ? . إنَّ الأقدار ليستْ على رغباتِنا دائمًا وإنما بقصورِنا لا نعرفُ الاختيار في القضاءِ والقدرِ ، فلسْنا في مقامِ الاقتراحِ ، ولكننا في مقامِ العبوديِّةِ والتسليمِ .

يُبتلى العبدُ على قدرِ إيمانه ، (( أُوعكُ كما يُوعَكُ رجلان منكمْ ) (( أشدُّ الناسِ بلاءً الأنبياءُ ، ثمَّ الصالحون ) )، ? فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ ? ، (( مَن يردِ اللهُ بهِ خيرًا يصبْ منهُ ) )، ? وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ ? ، ? وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ? .

مِن الإمارة إلى النجارة

عليُّ بنُ المأمون العباسي - أميرٌ وابنُ خليفة - كان يسكنُ قصرًا فخمًا ، وعندهُ الدنيا مبذولةٌ ميسَّرةٌ ، فأطلَّ ذات يومٍ منْ شرفةِ القصرِ ، فرأى عاملًا يكدحُ طِيلةَ النهارِ ، فإذا أضحى النهارُ توضَّأ وصلَّى ركعتين على شاطئ دِجلة ، فإذا اقترب الغروبُ ذهب إلى أهلِه ، فدعاهُ يومًا من الأيامِ فسألهُ فأخبره أن له زوجةً وأختين وأُمًّا يكدحُ عليهنَّ ، وأنه لا قوت لهُ ولا دخل إلا ما يتكسبُه من السوقِ ، وأنه يصومُ كلَّ يومٍ ويُفطرُ مع الغروبِ على ما يحصلُ ، قال: فهلْ تشكو منْ شيءٍ ؟ قال: لا والحمدُ للهِ ربِّ العالمين . فترك القصر ، وترك الإمارة ، وهام على وجههِ ، ووُجد ميتًا بعد سنواتٍ عديدةٍ وكان يعملُ في الخشب جهة خرسان ؛ لأنهُ وجد السعادة في عملِه هذا ، ولم يجدْها في القصرِ ، ? وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْواهُمْ ? .

يذكِّرني هذه بقصةِ أصحاب الكهفِ ، الذين كانوا في القصور مع الملكِ ، فوجدُوا الضيقَ ، ووجدوا التشتُّتَ ، ووجدوا الاضطرابَ ؛ لأنَّ الكفر يسكنُ القصر ، فذهبوا ، وقال قائلُهم: ? فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنشُرْ لَكُمْ رَبُّكُم مِّن رَّحمته ويُهَيِّئْ لَكُم مِّنْ أَمْرِكُم مِّرْفَقًا ? .

لبيتٌ تخفقُ الأرياحُ فيهِ

أحبُّ إليَّ مِنْ قصْرٍ منيفِ

سَمُّ الخِياطِ مع الأحبابِ ميدانُ ...

والمعنى: أن المحلَّ الضيَّق مع الحبِّ والإيمانِ ، ومع المودَّةِ يتَّسعُ ويتحمَّلُ الكثير ، (( جفانُنا لضيوفِ الدار أجفانُ ) ).

منْ أسبابِ الكدرِ والنكدِ مجالسةُ الثقلاءِ

قال أحمدُ: الثقلاءُ أهلُ البدعِ . وقيلَ: الحمقى . وقيل الثقيلُ: هو ثخينُ الطبعِ ، المخالفُ في المشربِ ، الباردُ في تصرفاتِه ، ? كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُّسَنَّدَةٌ ? ، ? لاَ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا ? .

قال الشافعيَّ عنهمْ: إنَّ الثقيل ليجلسُ إليَّ فأظنُّ أنَّ الأرض تميلُ في الجهةِ التي هو فيها.

وكان الأعمشُ إذا رأى ثقيلًا ، قال: ? رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ ? .

لا بأس بالقومِ مِنْ طُولٍ ومِنْ قِصرٍ

جِسْمُ البِغالِ وأحلامُ العصافيرِ

وكان ابنُ تيمية إذا جالس ثقيلًا ، قال: مجالسةُ الثقلاءِ حمَّى الربْعِ، ?وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ ? . ? فَلاَ تَقْعُدُواْ مَعَهُمْ? . (( مثلُ الجليسِ السيّئِ كنافخ الكيرِ ) ). إنَّ مِن اثقلِ الناسِ على القلوبِ العرِيَّ من الفضائلِ الصغير في المُثُلِ، الواقف على شهواتِه ، المستسلم لرغباتِه، ? فَلاَ تَقْعُدُواْ مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِّثْلُهُمْ ? .

قال الشاعرُ:

أنت يا هذا ثقيلٌ وثقيلٌ وثقيلْ

أنت في المنظرِ إنسانٌ وفي الميزان فِيلْ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت