كَنَزْوا الكنوزَ فلا بقينَ ولا بَقُوا
مِن كلِّ مَنْ ضاقَ الفَضَاءُ بِعَيْشِه
حتى ثَوى فحَوَاه لحدٌ ضَيِّقُ
خُرْسٌ إذا نُودوا كأنْ لمْ يعلمُوا
أنَّ الكلامَ لهم حَلاَلٌ مُطلَقُ
وفي الحديثِ: (( إنما العلمُ بالتعلُّمِ والحِلْمُ بالتحلُّمِ ) ).
وفي فنِّ الآدابِ: وإنما السرورُ باصطناعِه واجتلابِ بَسْمَتِهِ ، واقتناصِ أسبابِهِ ، وتكلُّفِ بوادرِه ، حتى يكونَ طبْعًا .
إن الحياةَ الدُّنيا لا تستحقُّ منا العبوسَ والتذمُّرَ والتبرُّمَ .
حُكْمُ المنيَّةِ في البريةِ جارِي
ما هذهِ الدنيا بدارِ قرارِ
بينا تَرَى الإنسان فيها مُخْبِرًا
ألفيْتَهُ خَبَرًا مِن الأخبارِ
طُبِعَتْ على كَدَرٍ، وأنتَ تريدُها
صَفْوًا من الأقذارِ والأكدارِ
ومكلِّفُ الأيَّامِ ضِدَّ طباعِها
مُتطلِّبٌ في الماء جُذْوَةَ نارِ
والحقيقةُ التي لا ريبَ فيها أنكَ لا تستطيعُ أنْ تنزعَ من حياتِكَ كلِّ آثارِ الحزنِ ، لأنَّ الحياة َخُلقتْ هكذا ? لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَدٍ ? ، ? إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ ? ، ? لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ? ، ولكنَّ المقصودَ أن تخفّفُ من حزنِك وهمِّك وغمِّك ، أما قَطْعُ الحُزْنِ بالكليَّةِ فهذا في جناتِ النعيمِ ؛ ولذلك يقولُ المنعمون في الجنة: ? الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ ? . وهذا دليلٌ على أنهُ لم يذهبْ عنهُ إلا هناكَ ، كما أنَّ كلَّ الغِلِّ لا يذهبُ إلا في الجنةِ ، ? وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ ? ، فمنْ عَرَفَ حالةَ الدنيا وصفتها ، عَذَرَها على صدودِها وجفائِها وغَدْرِها ، وعَلِمَ ان هذا طبعُها وخلُقُها ووصفُها .
حلفتْ لنا أنْ لا تخون عهودَنا
فكأَّنها حَلَفَتْ لنا أنْ لا تَفِي
فإذا كان الحالُ ما وصفْنا ، والأمرُ ما ذكرنا ، فحرِيٌّ بالأريبِ النابِهِ أنْ لا يُعينَها على نفسِه ، بالاستسلامِ للكدرِ والهمِّ والغمِّ والحزنِ ، بل يدافعُ هذه المنغصاتِ بكلِّ ما أوتيَ من قوةٍ ، ?وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ? ، ? فَمَا وَهَنُواْ لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَمَا ضَعُفُواْ وَمَا اسْتَكَانُواْ ? .
وقفة
لا تحزَنْ: إن كنتَ فقيرًا فغيرُك محبوسٌ في دَيْنٍ ، وإن كنت لا تملكُ وسيلةَ نَقْلٍ ، فسواك مبتورُ القدمين ، وإن كنت تشكو من آلامٍ فالآخرون يرقدون على الأسِرَّة البيضاءِ ومنذ سنواتٍ ، وإن فقدتَ ولدًا فسواك فقد عددًا من الأولادِ في حادثٍ واحدٍ .
لا تحزَنْ: لأنك مسلمٌ آمنتَ باللهِ وبرسلِهِ وملائكتِهِ واليومِ الآجِرِ وبالقضاءِ خيرِهِ وشرِّه ، وأولئكَ كفروا بالربِّ وكذَّبوا الرسلَ واختلفوا في الكتابِ ، وجَحَدُوا اليومَ الآخرَ ، وألحدوا في القضاءِ والقَدَرِ .
لا تحزَنْ: إن أذنبتَ فتُبْ ، وإن أسأت فاستغفرْ ، وإن أخطأت فأصلِحْ ، فالرحمةُ واسعةٌ ، والبابُ مفتوحٌ ، والغفران جمٌّ ، والتوبةُ مقبولةٌ .
لا تحزَنْ: لأنك تُقلقُ أعصابَك ، وتهزُّ كيانك وتُتعبُ قلبَك ، وتُقضّ مضجعَك ، وتُسْهِرْ ليلَك .
قال الشاعر:
وَلَرُبَّ نازلةٍ يضيقُ بها الفتى
ذَرْعًا وعندَ اللهِ منها المخرَجُ
ضاقتْ فلمَّا استحكمتْ حلقاتُها
فُرِجَتْ وكانَ يظنُّها لا تُفرجُ
ضبْطُ العواطف
تتأجَّجُ العواطفُ وتعصفُ المشاعرُ عند سببين: عند الفرحةِ الغامرةِ ، والمصيبةِ الدَّاهمةِ ، وفي الحديثِ: (( إني نُهِيْتُ عن صوتيْن أحمقيْن فاجريْن: صوتٍ عند نعمةٍ ، وصوتٍ عندَ مصيبةٍ ) )? لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ? . ولذلك قال - صلى الله عليه وسلم -: (( إنما الصبرِ عند الصدمِة الأولى ) ). فمَنِ مَلَكَ مشاعره عندَ الحدَث الجاثم وعند الفرَح الغامرِ ، استحقَّ مرتبةَ الثباتِ ومنزلةَ الرسوخِ ، ونالَ سعادة الراحةِ ، ولذَةَ الانتصارِ على النفسِ ، واللهُ جلَّ في عُلاه وصف الإنسان بأنهُ فرِحٌ فخورٌ ، وإذا مسَّه الشرُّ جزوعًا وإذا مسَّهُ الخيرُ منوعًا ، إلاَّ المصلِّين . فَهُم على وسطيةٍ في الفرحِ والجزعِ ، يشكرونَ في الرخاءِ ، ويصبرون في البلاءِ .
إنَّ العواطف الهائجةَ تُتْعِبُ صاحبها أيَّما تَعَبٍ ، وتضنيهِ وتؤلمُهَ وتؤرِّقُهُ ، فإذا غضب احتدَّ وأزبد ، وأرعد وتوعَّد ، وثارتْ مكامنُ نفسِهِ ، والتهبتْ حُشاشَتُهُ ، فيتجاوزُ العَدْلَ ، وإن فرحَ طرِبَ وطاشَ ، ونسيَ نفسَه في غمرةِ السرورِ وتعدّى قدره ، وإذا هَجَرَ أحدًا ذمَّه ، ونسِي محاسنَهُ ، وطمس فضائِلَهُ ، وإذا أحبَّ آخر خلع عليه أوسمة التبجيلِ ، وأوصله إلى ذورةِ الكمالِ . وفي الأثر: (( أحببْ حبيبك هوْنًا ما ، فعسى أن يكون بغيضك يومًا ما وأبغضْ بغيضك هونًا ما ، فعسى أن يكون حبيبك يومًا ما ) ). وفي الحديث: (( وأسألك العدل في الغضب والرضا ) ).
فمَن ملك عاطفته وحَكَّم عقلَه ، ووزنَ الأشياء وجعل لكلِّ شيء قدرًا ، أبصر الحقَّ ، وعَرَفَ الرشدَ ، ووقع على الحقيقةِ ، ? لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ ? .