ويقولُ الآخرُ: لا بأس بالموتِ إذا الموتُ نزلْ .
ولكنَّ الآخرين تذمَّرُوا من الموتِ وسبُّوه وفرُّوا منهُ .
فاليهودُ أحرصُ الناسِ على حياةٍ ، قال سبحانه وتعالى عنهمْ: ? قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ ? .
وقال بعضُهم:
ومالي بعد هذا العيشِ عيشٌ
ومالي بعد هذا الرأسِ رأسُ
والقتلُ في سبيل اللهِ أمنيةٌ عذْبةٌ عند الأبرارِ الشرفاءِ: ? فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ ? .
وابنُ رواحة ينشدُ:
لكنَّني أسألُ الرحمنَ مغفرةً
وطعنةً ذات فزعٍ تقذِفُ الزَّبدا
ويقولُ ابنُ الطِّرِمَّاح:
أيا ربَّ لا تجعلْ وفاتِي إنْ أتتْ
على شرْجَعَ يعلو بحُسْنِ المطارِفِ
ولكنْ شهيدًا ثاويًا في عصابةٍ
يُصابون في فجٍّ مِن الأرض خائفِ
غير أنَّ بعضهمْ كرِه القتْلَ وفرَّ منه ، يقولُ جميلُ بثينة:
يقولون جاهِد يا جميلُ بغزوةٍ
وأيُّ جهادٍ غيرهُنَّ أُريدُ
وقال الأعرابيُّ: واللهِ إني أكرهُ الموت على فراشي ، فكيف أطلبُه في الثغورِ ? قُلْ فَادْرَؤُوا عَنْ أَنفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ? ، ? قُل لَّوْ كُنتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ ? . إنَّ الوقائع واحدةٌ لكنَّ النفوس هي التي تختلفُ .
أيُّها الإنسانُ: يا منْ ملَّ من الحياةِ ، وسئِم العيش ، وضاق ذرعًا بالأيامِ وذاق الغُصص ، أنَّ هناك فتحًا مبينًا ، ونصرًا قريبًا ، وفرجًا بعد شدَّة ، ويُسرًا بعد عُسْرٍ .
إنَّ هناك لُطفًا خفيًّا منْ بينِ يديْك ومنْ خلقِك ، وإنَّ هناك أملًا مشرقًا ، ومستقبلًا حافلًا ، ووعدًا صادقًا ، ? وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ ? . إن لضِيقِك فُرْجةً وكشْفًا ، ولمصيبتِك زوالٌ ، وإن هناك أنسًا وروحًا وندىً وطلًا وظلًا . ? الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ ? .
أيُّها الإنسانُ: آنَ أنْ تُداوي شكَّك باليقينِ ، والتواء ضميرِك بالحقِّ ، وعِوج الأفكارِ بالهُدى ، واضطراب المسيرةِ بالرُّشدِ .
آن أنْ تقشع عنك غياهب الظلامِ بوجْهِ الفجرِ الصادقِ ، ومرارةِ الأسى بحلاوةِ الرَّضا ، وحنادسِ الفِتن بنورٍ يلقفُ ما يأفكُون .
أيُّها الإنسانُ: إنَّ وراء بيدائِكمْ القاحلِةِ أرضًا مطمئنَّةً، يأتيها رزقُها رَغَدًا منْ كلِّ مكانٍ
وإنَّ على رأسِ جبلٍ المشقَّة والضَّنى والإجهاد ، جنَّةً أصابها وابلٌ ، فهي مُمرعةً ، فإنْ لم يصبْها وابلٌ فطلٌّ من البُشرى والفألِ الحسنِ ، والأملِ المنشودِ .
يا منْ أصابه الأرقُ ، وصرخ في وجهِ الليلِ: ألا أيُّها الليل الطويلُ ألا انْجلِ ، أبشِرْ بالصبحِ ? أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ ? . صبحٌ يملؤُك نورًا وحبورًا وسرورًا .
يا منْ أذهب لُبَّه الهمُّ: رُويْدك ، فإنَّ منْ أُفُقِ الغيبِ فَرَجًا ، ولك منْ السُّننِ الثابتِة الصادقِة فُسْحةً .
يا منْ ملأت عينك بالدمعِ: كفْكِفْ دموعك ، وأرِحْ مُقلتيْك ، اهدأْ فإنَّ لك منْ خالقِ الوجودِ ولايةً ، وعليك منْ لطفهِ رعايةً ، اطمئنَّ أيُّها العبدُ ، فقدْ فُرغ من القضاءِ ، ووقع الاختيارُ ، وحَصَلَ اللُّطفُ ، وذهب ظمأُ المشقَّةِ ، وابتلَّتْ عروقُ الجهدِ ، وثبت الأجرُ عند منْ لا يخيبُ لديهِ السعْيُ .
اطمئنَّ: فإنك تتعاملُ مع غالبٍ على أمرِهِ ، لطيفٍ بعبادِه ، رحيمٍ بخْلقِهِ ، حسنِ الصُّنعِ في تدبيرِهِ .
اطمئنَّ: فإنَّ العواقب حسنةٌ ، والنتائج مريحةٌ ، والخاتمة كريمةٌ .
بعد الفقرِ غِنَّى ، وبعد الظَّمأ رِيٌّ ، وبعد الفراقِ اجتماعٌ ، وبعد الهجْر وَصْلٌ ، وبعد الانقطاعِ اتِّصالٌ ، وبعد السُّهادِ نومٌ هادئٌ ، ? لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا ? .
لمعتْ نارُهُم وقْد عسْعَسَ الليـ
ـلُ وملَّ الحادي وحار الدَّلِيلُ
فتأمَّلتُها وفِكْري من البيْـ
ـنِ عليلٌ وطرْفُ عيني كلِيلُ
وفؤادي ذاك الفؤادُ المعنَّى
وغرامي ذاك الغرامُ الدَّخِيلُ
وسألْنا عن الوكيلِ المرجَّى
للمُلِمَّاتِ هل إليهِ سبيلُ ؟
فوجدْناه صاحب المُلْكِ طُرًّا
أكرم المُجزِلِين فردٌ جليلُ
أيُّها المعذَّبُون في الأرضِ ، بالجوعِ والضَّنْكِ والضَّنى والألمِ والفقْرِ والمرضِ ، أبشرُوا ، فإنكم سوف تشبعون وتسعدون ، وتفرحون وتصِحُّون ، ? وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ {33} وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ ? .
فلابُدَّ لِلَّيلِ أنْ ينجلِيْ
ولابدَّ للقيْدِ أنْ ينكسِرْ
ومنْ يتهيَّبْ صُعُود الجبالِ
يعِشْ أبد الدَّهْرِ بين الحُفرْ
وحقٌّ على العبدِ أن يظُنَّ بربِّه خيرًا ، وان ينتظر منهُ فضلًا ، وأنْ يرجُو من مولاهُ لُطفًا ، فإنَّ منْ أمرُه في كلمةِ ( كُن) ، جديرٌ أنْ يُوثق بموعودِهِ ، وأنْ يُتعلَّقَ بعهودِهِ ، فلا يجلبُ النفع إلا هو ، ولا يدفع الضُّرَّ إلا هو ، ولهُ في كلِّ نفسٍ لُطفٌ ، وفي كلِّ حركةٍ حكمةٌ ، وفي كلِّ ساعةٍ فَرَجٌ ، جعل بعدَ الليلِ صُبحًا ، وبعد القحْطِ غَيْثًا ، يُعطي ليُشْكر ، ويبتلي ليعلم من يصْبِرُ ، يمنحُ النَّعْماء ليسمع الثَّناء ، ويُسلِّطُ البلاء ليُرفع إليه الدُّعاءُ ، فحريٌّ بالعبدِ أن يقوِّي معه الاتِّصال ، ويُمدَّ إليه الحبال ، ويُكِثرُ السؤال ? وَاسْأَلُواْ اللّهَ مِن فَضْلِهِ ? ، ?ادْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً ? .
لو لمْ تُرِدْ نيْل ما أرجو وأطْلُبُهُ
مِن جُودِ كفِّك ما علَّمْتني الطَّلبا