ولا تغلطْ فتخْلِط بين كِبرِ الهمة والكِبْر ، فإن بينهما من الرْق كما بين السماء ذاتِ الرَّجعِ والأرضِ ذاتِ الصَّدْعِ ، فكِبرُ الهمَّةِ تاجٌ على مفْرِق القلبِ الحُرِّ المثالي ، يسعى به دائمًا وأبدًا إلى الطُّهرِ والقداسةِ والزِّيادة والفضلِ ، فكبيرُ الهمّةِ يتلمَّظُ على ما فاته من محاسن ، ويتحسَّرُ على ما فقده من مآثِر ، فهو في حنينٍ مستمرٍّ ، ونهمٍ دؤوبٍ للوصولِ إلى الغايةِ والنهايةِ .
كِبَرُ الهمَّةِ حِلْيةُ ورثةِ الأنبياءِ ، والكِبْرُ داءُ المرضى بعلَّة الجبابرةِ البؤساءِ .
فكِبرُ الهمَّةِ تصعَدُ بصاحبِها أبدًا إلى الرُّقيِّ ، والكِبْرُ يهبطُ به دائمًا إلى الحضيضِ . فيا طالب العلم ، ارسمْ لنفسك كِبر الهمّةِ ، ولا تنفلتْ منها وقد أومأ الشرعُ إليها في فقهيَّاتٍ تُلابس حياتك ، لتكون دائمًا على يقظةٍ من اغتنامِها ، ومنها: إباحةُ التَّيمُّمِ للمكلَّفٍ عند فقْدِ الماءِ ، وعدمُ إلزامهِ بقبُولِ هِبةٍ ثمن الماءِ للوضوءِ ، لما في ذلك من المنَّةِ التي تنالُ من الهمَّة منالًا ، وعلى هذا فقيِسْ .
فالله الله في الاهتمامِ بالهمَّةِ ، وسلِّ سيفِها في غمراتِ الحياةِ:
هو الجِدّث حتى تفضُل العينُ أختها
وحتَّى يكون اليومُ لليومِ سيِّدا
ممَّا يشرح الخاطر ويسُرُّ النَّفْس ، القراءةُ والتأمُّلُ في عقولِ الأذكياءِ وأهلِ الفِطنةِ ، فإنَّها متعةٌ يسلو بها المُطالعِ لتلك الإشراقاتِ البديعةِ من أولئك الفطناءِ . وسيِّدُ العارفين وخيرةُ العالمين ، رسولُنا - صلى الله عليه وسلم - ، ولا يُقاسُ عليهِ بقيّةُ الناسِ ، لأنهُ مؤيَّدٌ بالوحْي ، مصدَّقٌ بالمعجزاتِ ، مبعوثٌ بالآياتِ البيِّناتِ ، وهذا فوق ذكاءِ الأذكياء ولمُوع الأدباءِ .
(وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ )
قال أبقراطُ: « الإقلالُ من الضَّارّ ، خيرٌ من الإكثارِ من النافعِ » . وقال: « استديموا الصِّحَّة بترْكِ التَّكاسُلِ عن التعبِ ، وبتركِ الامتلاءِ من الطعامِ والشرابِ » .
وقال بعضُ الحكماءِ: « من أراد الصحة: فليُجوِّد الغداء ، وليأكُلْ على نفاءٍ ، وليشربْ على ظماءٍ ، وليُقلِّلْ من شُربِ الماءِ ، ويتمدَّدْ بعد الغداءِ ، ويتمشَّ بعد العشاءِ ، ولا ينمْ حتى يعرض نفسهُ على الخلاءِ ، وليحْذرْ دخول الحمَّامِ عقيِب الامتلاء ، ومرَّةٌ في الصيفِ خيرٌ من عشرٍ في الشتاءِ » .
وقال الحارثُ: « من سرَّه البقاءُ - ولا بقاء - فليُباكِرِ الغداءَ ، وليُعجِّلِ العشاء ، ولُخفِّفِ الرِّداء ، وليُقلَّ غِشيان النساءِ » .
وقال أفلاطون: « خمسٌ يُذبْن البَدنَ ، وربما قَتَلْنَ: قِصَرُ ذاتِ اليدِ ، وفراقُ الأحبَّةِ ، وتجرُّعُ المغايظِ ، وردُّ النُّصح ، وضحِكُ ذوي الجهلِ بالعقلاءِ » .
ومن جوامعِ كلماتِ أبقراط قولهُ: « كلُّ كثيرٍ ، فهو مُعادٍ للطبيعةِ » .
وقيل لجالينوس: ما لك لا تمرضُ ؟ فقال: « لأني لم أجمعْ بين طعاميْنِ رديئينِ ، ولم أُدخِل طعامًا على طعامٍ ، ولم أحبِسْ في المعدةِ طعامًا تأذَّيتُ منه » .
وأربعةُ أشياء تُمرضُ الجسْم: الكلامُ الكثيرُ ، والنومُ الكثيرُ ، والأكلُ الكثيرُ ، والجماعُ الكثيرُ . فالكلامُ الكثيرُ: يقلِّل مُخَّ الدِّماغِ ويُضعفُه ، ويعجِّلُ الشَّيْب . والنومُ الكثيرُ: يصفِّرُ الوجه ، ويُعمي القلب ، ويُهيِّجُ العين ، ويُكسلُ عن العملِ ، ويولِّدُ الغليظة ، والأدواء العسِرة . والجماعُ الكثيرُ: يَهُدُّ الَبَدنَ ، ويُضعفُ القُوى ، ويُجفِّفُ رُطُوبات البدنِ ، ويُرخي العصبَ ، ويُورثُ السُّدَدَ ، ويعُمُّ ضررُهُ جميع البدنِ ، ونخفضُّ الدِّماغ لكثْرةِ ما يتحلَّلُ منهُ من الرُّوحِ النَّفساني . ولإضعافُهُ أكثر من إضعافِ جميعِ المستفرغاتِ ، ويستفرِغ من جوهرِ الرُّوحِ شيئًا كثيرًا .
أربعةٌ تهدم البدن: الهمُّ ، والحزنُ ، والجوعُ ، والسَّهرُ .
وأربعة تُفرحُ: النَّظرُ إلى الخُضرةِ ، وإلى الماءِ الجاري ، والمحبوبِ ، والثمارِ .
وأربعة تُظلِم البصر: المشْيُ حافيًا ، والتَّصبُّحُ والإمساءُ بوجهِ البغيضِ والثقيلِ والعدوُ ، وكثْرةُ البُكاءِ ، وكثرةًُ النَّظرِ في الخطِّ الدِّقيقِ .
وأربعةٌ تقوِّي الجسم: لُبْسُ الناعمِ ، ودخولِ الحمَّامِ المعتدلِ ، وأكلُ الطعامِ الحلوِ والدَّسمِ ، وشمُّ الروائحِ الطيَّبةِ .
وأربعةٌ تُيبِّس الوجه، وتُذهبُ ماءه وبهجتهُ وطلاقَتَهُ: الكذِبُ ، والوقاحةُ ، وكثْرةُ السؤالِ عن غيرِ علمٍ ، وكثْرةُ الفجورِ .
وأربعةٌ تزيدُ في ماءِ الوجه وبهجتِه: المروءةُ ، والوفُاء ، والكرمُ ، والتقوى .
وأربعةٌ تجلبُ البغضاء والمقْتَ: الكِبْرُ ، والحسدُ ، والكَذِبُ ، والنَّميمةُ .
وأربعةٌ تجلبُ الرزق: قيامُ الليلِ ، وكثْرةُ الاستغفارِ بالأسحارِ ، وتعاهُدُ الصدقةِ ، والذِّكْر أول النهارِ وآخِره .
وأربعةٌ تمنعُ الرزق: نومُ الصُّبحة ، وقلِّةُ الصلاةِ ، والكسلُ ، والخيانةُ .
وأربعةٌ تُضرُّ بالفهمِ والذهنِ: إدمانُ أكْلِ الحامضِ والفواكهِ ، والنومُ على القفا ، والهمُّ ، والغمُّ .
وأربعةٌ تزيدُ في الفهم: فراغُ القلبِ ، وقلَّةُ التَّملِّي من الطعام والشرابِ ، وحُسْنِ تدبيرِ الغذاءِ بالأشياءِ الحُلوةِ والدَّسِمةِ ، وإخراجُ الفضلاتِ المثقِّلةِ للبَدنِ .