وفي الصحيحِ: (( إنك إنْ تَذَرُ ورثَتَكَ أغنياء ، خيرٌ منْ أن تَذَرَهُمْ عالةً يتكفَّفونُ الناس ) ).
أَسُدُّ به ما قدْ أضاعوا وفرَّطوا
حقوق أناسٍ ما استطاعوا لها سدّا
يقولُ أحدُهم في عِزَّةِ النفسِ:
أحسنُ الأقوالِ قولي لك خذْ
أقبحُ الأقوالِ كلاَّ ولعلْ
وفي الصحيح: (( اليدُ العليا خيرٌ من اليدِِ السُّفلى ) ). اليدُ العليا المعطيةُ ، واليدُ السُّفلى الآخذةُ أو السائلةُ ، ? يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاء مِنَ التَّعَفُّفِ ? .
والمعنى: لا تتملَّق البشرَ فتطلب منهمْ رزقًا أو مكسبًا ، فإنَّ الله عزَّ وجلَّ ضمِنَ الرزق والأجلَ والخلْقَ لأنَّ عزَّةَ الإيمانِ قعساءُ ، وأهلُه شرفاءُ ، والعزةُ لهم ، ورؤوسُهم دائمًا مرتفعةٌ ، وأنوفُهم دائمًا شامخةٌ: ? أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ العِزَّةَ لِلّهِ جَمِيعًا ? . قال ابنُ الورديُّ:
أنا لا أرغبُ تقبيل يدٍ
قطْعُها أحسنُ منْ تلك القُبلْ
إنْ جزتْني عنْ صنيعِ كنتُ في
رِقِّها أو لا فيكفيني الخجلْ
إذا كان المحيي والميتُ والرزاقُ هو اللهُ ، فلماذا الخوفُ من الناس والقلقُ منهمُ ؟! ورأيتُ أنَّ أكثر ما يجلبُ الهموم والغموم التعلُّقُ بالناسِ ، وطلبُ رضاهمْ ، والتقربُ منهمُ ، والحرصُ على ثنائِهم ، والتضرُّر بذمِّهمْ ، وهذا من ضعفِ التوحيدِ .
فليتك تحلو والحياةُ مريرةٌ
وليتك ترْضى والأنامُ غضابُ
إذا صحَّ منك الودُّ فالكُلُّ هيِّنٌ
وكلُّ الذي فوق الترابِ ترابُ
أسبابُ انشرحِ الصَّدْرِ
أهمُّها: التوحيدُ: فإنهُ بِحسبِ صفائِهِ ونقائِه يوسعُ الصدرَ ، حتى يكون أوسع من الدنيا وما فيها .
ولا حياة لمُشركٍ وملحِدٍ ، يقولُ سبحانه وتعالى: ? وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى ? . وقال سبحانه: ? فَمَن يُرِدِ اللّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ ? . وقال سبحانه: ? أَفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِّن رَّبِّهِ ? .
وتوعَّد اللهُ أعداءه بضيقِ الصَّدرِ والرهبةِ والخوفِ والقلقِ والاضطرابِ ، ? سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُواْ الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُواْ بِاللّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا ? ، ? فَوَيْلٌ لِّلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُم مِّن ذِكْرِ اللَّهِ ? ، ? فَمَن يُرِدِ اللّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاء ? .
ومما يشرحُ الصَّدْرَ: العلمُ النافعُ ، فالعلماءُ أشرحُ الناسِ صدورًا ، وأكثرُهم حُبورًا ، وأعظمُهمْ سرورًا ، لما عندهمْ من الميراثِ المحمديِّ النبويِّ: ? وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ ? ، ? فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ? .
ومنها: العملُ الصالحُ: فإنَّ للحسنةِ نورًا في القلبِ ، وضياءً في الوجهِ ، وسَعَةَ في الرزقِ ، ومحبةً في قلوبِ الخلْقِ ، ? لَأَسْقَيْنَاهُم مَّاء غَدَقًا ? .
ومنها: الشجاعةُ: فالشجاعُ واسعُ البطانِ ، ثابتُ الجَنَانِ ، قويُّ الأركانِ ، لأنه يؤولُ على الرحمنِ ، فلا تهمُّه الحوادثُ ، ولا تهزُّهُ الأراجيفُ ، ولا تزعزِعُهُ التوجساتُ .
تردَّى ثبات الموتِ حُمْرًا فما أتى
لها الليلُ إلا وهي مِنْ سندسٍ خُضْرُ
وما مات حتى مات مضرِبُ سيفِهِ
مِن الضربِ واعتلتْ عليه القنا السّمْرُ
ومنها: اجتنابُ المعاصي: فإنها كدرٌ حاضرٌ ، ووحشةٌ جاثمةٌ ، وظلامٌ قاتمٌ .
رأيتُ الذنوب تُميتُ القلوب
وقدْ يُورثُ الذُّلَّ إدمانُها
ومنها: اجتنابُ كثرةِ المباحاتِ: من الكلامِ والطعامِ والمنام والخلطةِ ، ? وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ ? ، ? مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ ? ، ? وكُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُواْ ? .
فُرِغ من القضاءِ
سألَ أحدُ المرضى بالهواجسِ والهمومِ طبيب القلقِ والاضطرابِ ، فقال له الطبيبُ المسلمُ: اعلمْ أنَّ العالم قدْ فرغَ منْ خلقِهِ وتدبيرِه ، ولا يقعُ فيهِ حركةٌ ولا هَمْسٌ إلا بإذن اللهِ ، فلِم الهمُّ والغمُّ؟! (( إنَّ الله كتب مقادير الخلائقِ قبل أنْ يَخْلُقَ الخلْق بخمسين ألف سنةٍ ) ).
قال المتنبي على هذا:
وتعْظُمُ في عينِ الصغيرِ صغارُها
وتصغرُ في عينِ العظيمِ العظائِمُ
طَعْمُ الحريَّةِ اللذيذُ
يقولُ الراشدُ في كتابِ ( المسار ) : منْ عندَهُ ثلاثمائةٍ وستون رغيفًا وجرَّة زيتٍ وألفٌ وستمائة تمرة ، لم يستعبدْه أحدٌ .
وقال أحدُ السلفِ: منِ اكتفى بالخبزِ اليابسِ والماءِ ، سلِم من الرِّقِّ غلا للهِ تعالى ? وَمَا لِأَحَدٍ عِندَهُ مِن نِّعْمَةٍ تُجْزَى ? .
قال أحدُهم:
أطعتُ مطامعي فاستعبدتني
ولوْ أني قِنِعْتُ لكنتُ حرًا
وقال آخرُ:
أرى أشقياء الناسِ لا يسأمونها
على أنَّهمْ فيها عُراةٌ وجُوَّعُ
أراها وإنْ كانتْ تسُرُّ فإنها
سحابةُ صيفٍ عنْ قليلٍ تقشَّعُ
إنَّ الذين يسعوْن على السعادةِ بجمع المالِ أو المنصبِ أو الوظيفةِ ، سوف يعلمون أنهمْ همُ الخاسرون حقًّا ، وأنهمْ ما جلبوا إلا الهموم والغموم ، ? وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُم مَّا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاء ظُهُورِكُمْ ? ، ? بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا {16} وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى ? .