فأخذ الغيثُ ينهمرُ بدعاءِ تلك النملةِ ، النملةِ التي فهِم كلامها سليمانُ عليه السلامُ ، وهو يزجفُ بجيشه الجرَّار ، فتعظُ أخواتها في عالم النملِ: ? قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ {18} فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِّن قَوْلِهَا? . في كثير من الأحيان يأتي لطفُ البري سبحانه وتعالى بسبب هذه العجماواتِ .
وقد ذكر أبو يعلى في قدسي أن الله يقولُ: (( وعِزَّتي وجلالي ، لولا شيوخٌ رُكَّعٌ ، وأطفال رُضَّعٌ ، وبهائمُ رُتَّعٌ ، لمنعتُ عنكم قطْرَ السماءِ ) ).
إنَّ الهدد في عالمِ الطيورِ عرف ربَّهُ ، وأذعنّ لمولاهُ ، وأخبت لخالقِه .
ذهب الهدهدُ ، وكانت تلك القصةُ الطويلةُ ، وانتهتْ إلى تلك النتائجِ التاريخيةِ ، وكان سببها هذا الطائرُ الذي عَرَفَ ربَّه ، حتى قال بعضُ العلماءِ: عجيبٌ ! الهدد أذكى من فرعون ، فرعونُ كَفَرَ في الرخاءِ فما نفعه إيمانُه في الشِّدَّة ، والهدهدُ آمن بربِّه في الرخاءِ ، فنفعه إيمانُه في الشّدةِ .
الهدهدُ قال: ? أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ? . وفرعونُ يقول: ? مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي ? . إن الشقيَّ من كان الهدهد أذكى منه ، والنملة أفهمُ لمصيرِها منه . وإن البليد من أظلمتْ سبُله ، وتقطَّعتْ حبالُه ، وتعطَّلتْ جوارحُه عن النفعِ ، ? لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا ? .
في عالم النحل لطفٌ اللهِ يسري ، وخيرُه يجرِي ، وعنايتُه تلاحقُ تلكم الحشرة الضئيلة المسكينة ، تنطلقُ من خليّتها بتسخيرٍ من الباري ، تلتمسُ رزقها ، لا تقعُ إلا على الطيبِ النقيِّ الطاهرِ ، تمصُّ الرحيقَ ، تهيمُ بالورودِ ، تعشقُ الزَّهْر ، تعودُ محمَّلةً بشرابٍ مختلفٍ ألوانُه فيه شفاءٌ للناسِ ، تعودُ إلى خليتِها لا إلى خليةٍ أخرى ، لا تضلُّ طريقها ، ولا تحارُ في سبلِها ، ? وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ {68} ثُمَّ كُلِي مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا شَرَابٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاء لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ? .
إن سعادتك منْ هذا القصص ، ومن هذا الحديثِ ، ومن هذه العِبر: أن تعلم أن هناك لطفًا خفيًا للهِ الواحدِ الحدِ ، فتدعوه وحده ، وترجوه وحده ، وتسألهُ وحده ، وأنَّ عليك واجبًا شرعيًا نزلَ في الميثاقِ الربانيِّ ، وفي النَّهْجِ السماويِّ أن تسجد له ، وأن تشكره ، وأن تتولاَّه ، وأن تتجه بقلبِك إليه . إن عليك أنْ تعلم أن هذا البشَرَ الكثير وهذا العالم الضخم ، لا يُغنون عنك من اللهِ شيئًا ، إنهم مساكينُ ، إنهم كلهم محتاجون إلى اللهِ ، إنهم يطلبون رزقهم صباح مساء ، ويطلبون سعادتهم وصحَّتهم وعافيتهم وأشياءهم وأموالهم ومناصبهم من اللهِ الذي يملكُ كلَّ شيءٍ .
? يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاء إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ ? ، إن عليك أن تعلم علم اليقينِ أنه لا يهديك ولا ينصرُنك ، ولا يحميك ولا يتولاك ، ولا يحفظُك ، ولا يمنحُك إلا اللهُ ، إن عليك أن توحِّد اتجاه القلبِ ، وتفرد الربِّ بالوحدانيةِ والألوهيةِ والسؤالِ والاستعانةِ والرجاءِ ، وأن تعلم قْدر البشرِ ، وأن المخلوق يحتاجُ إلى الخالقِ ، وأن الفاني يحتاجُ إلى الباقي ، وأن الفقيرَ يحتاجُ إلى الغني ، وأن الضعيف يحتاجُ إلى القويِّ . والقوةُ والغنى والبقاءُ والعزَّةُ المطلقةُ يملكُها اللهُ وَحْدَهُ .
إذا علمت ذلك ، فاسعدْ بقربهِ وبعبادتِه والتبتلِ إليه ، إليه ، إنِ استغفرته غَفَرَ لك ، وإن تبت إليه تاب عليك ، وإن سألته أعطاك ، وإن طلبت منه الرزق رزقك ، وإن استنصرته نصرك ، وإن شكرته زادك .
ارض عن الله عزَّ وجلَّ
من لوازمِ (( رضيتُ باللهِ ربًا ، وبالإسلام دينًا، وبمحمدٍ - صلى الله عليه وسلم - نبيًا ) ). أن ترضى عن ربِّك سبحانه وتعالى ، فترضى بأحكامِه ، وترضى بقضائِه وقدرِهِ ، خيرِه وشرِه ، حُلوِه ومُرِّه .
إن الانتقائية بالإيمانِ بالقضاءِ والقدرِ ليستْ صحيحةً ، وهي أن ترضى فَحَسْبُ عند موافقةِ القضاءِ لرغباتِك ، وتتسخَّط إذا خالف مرادك وميْلك ، فهذا ليس من شأنِ العبدِ .
إن قومًا رضُوا بربِّهم في الرخاءِ وسخطُوا في البلاءِ ، وانقادُوا في النعمةِ وعاندُوا وقت النقمةِ ، ? فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ? .
لقدْ كان الأعرابُ يُسْلمون ، فإذا وجدُوا في الإسلامِ رغدًا بنزولِ غيثٍ ، ودرِّ لبنٍ ، ونبْتِ عشبٍ ، قالوا: هذا دينُ خيْرٍ . فانقادُوا وحافظوا على دينِهم .
فإذا وجدُوا الأخرى ، جفافًا وقحْطًا وجدْبًا واضحملالًا في الأموالِ وفناءً للمرعى ، نكصُوا على أعقابهم وتركُوا رسالتهم ودينهم .
هذا إذن إسلامُ الهوى ، وإسلامُ الرغبةِ للنفس . إن هناك أناسًا يرضون عن اللهِ عزَّ وجلَّ ، لأنهم يريدون ما عند اللهِ ، يريدون وجهه ، يبتغون فضلًا من اللهِ ورضوانًا ، يسعون للآخرةِ .
رضينا بك اللهمَّ ربًا وخالقًا
وبالمصطفى المختارِ نورًا وهاديا
فإمَّا حياةٌ نظَّم الوحيُ سيرها
وإلا فموتٌ لا يسُرُّ الأعاديا