فهرس الكتاب

الصفحة 67 من 138

منْ أحسنِ كلماتِ العامةِ: لا همَّ واللهُ يُدْعى .

والمعنى: أنَّ هناك إلهًا في السماءِ يُدعى ، ويُطلبُ منهُ الخيْرُ ، فلماذا تهتمّ أنت في الأرضِ ، فإذا وكَّلت ربَّك بهمِّك ، كشَفَه وأزاله ? أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ ? ، ? وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ? .

أخلِقْ بذي الصَّبرِ أنْ يحظى بحاجتِهِ

ومُدْمِنِ القرْعِ للأبوابِ أن يلِجا

في حياتِك دقائقُ غاليةٌ

رأيتُ موقفيْنِ مُؤثِّريْنِ مُعبِّريْنِ للشيخِ علي الطنطاويِّ في مذكّراتهِ:

الموقفُ الأولُ: تحدَّثَ عن نفسِه وكاد يغرقُ على شاطئِ بيروت ، حينما كان يسبحُ فأشرف على الموتِ ، وحُمِل مَغْمِيًّا عليهِ ، وكان في تلك اللحظاتِ يُذعِنُ لمولاهُ ، ويودُّ لو عادَ ولو ساعةً إلى الحياةِ ، ليجدِّد إيمانه وعملهُ الصّالح ، فيَصلِ الإيمانُ عنده منتهاه .

والموقفُ الثاني: ذَكَرَ أنه قدِم في قافلةٍ منْ سوريا إلى بيتِ اللهِ العتيقِ، وبينما هو في صحراءِ تبوك ضلُّوا وبَقُوا ثلاثة أيام ، وانتهى طعامُهُم واشرابُهُم ، وأشرفوا على الموتِ ، فقام وألقى في الجموعِ خطبة الوداعِ من الحياةِ ، خطبةً توحيديَّة حارَّةً رنَّانة ، بكى وأبكى الناس ، وأحسَّ أنَّ الإيمان ارتفع ، وأنه ليس هناك مُعينٌ ولا مُنقذٌ إلا اللهُ جلَّ في علاه ? يَسْأَلُهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ ? .

يقولُ سبحانهُ وتعالى: ? وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُواْ لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَمَا ضَعُفُواْ وَمَا اسْتَكَانُواْ وَاللّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ ? .

إنَّ الله يحبُّ المؤمنين الأقوياء الذين يتحدَّون أعداءهم بصبرٍ وجلادةٍ ، فلا يهِنون ، ولا يُصابون بالإحباطِ واليأسِ ، ولا تنهارُ قواهُم ، ولا يستكينون للذِّلَّةِ والضعْفِ والفشلِ ، بل يصمُدون ويُواصلون ويُرابطون ، وهي ضريبةُ إيمانِهم بربِّهم وبرسولِهمْ وبدينِهمْ (( المؤمنُ القويُّ خيرٌ وأحبُّ إلى اللهِ من المؤمنِ والضَّعيفِ وفي كلٍّ خيرٌ ) ).

جُرحتْ أُصْبُعُ أبي بكرٍ - رضي اللهُ عنهُ - في ذاتِ اللهِ فقال:

هلْ أنتِ إلا إصْبَعٌ دَمِيتِ

وفي سبيلِ الله ما لقِيتِ

ووضع أبو بكرٍ إصبعهُ في ثَقْبِ الغارِ ليحمي بها الرسول - صلى الله عليه وسلم - من العقربِ ، فلُدغ ، فقرأ عليها - صلى الله عليه وسلم - فبرئتْ بإذِن اللهِ .

قال رجلٌ لعنترة: ما السِّرُّ في شجاعتِك ، وأنك تغِلبُ الرِّجال ؟ قال: ضعْ إصبعك في فمي ، وخُذ إصبعي في فمك . فوضعها في فمِ عنترة ، ووضَعَ عنترةُ إصبعه في فمِ الرَّجلِ ، وكلٌّ عضَّ إصبع صاحبِه ، فصاح الرجلُ من الألم ، ولم يصبرْ فأخرجَ له عنترةُ إصبعه ، وقال: بهذا غلبتُ الأبطال . أي بالصَّبرِ والاحتمالِ .

إنَّ ممَّ يُفرحُ المؤمن أن لُطفَ اللهِ ورحمته وعفوه قريبٌ منه، فيشعرُ برعايةِ اللهِ وولايتِهِ بحسبِ إيمانِهِ . والكائناتُ والأحياءُ والعجماواتُ والطيورُ والزواحفُ تشعرُ بأنَّ لها ربًّا خالِقًا ورازقًا ? وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ وَلَكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ ? .

يا ربّ حمدًا ليس غيرُك يُحمدُ

يا منْ لهُ كُلُّ الخلائِقِ تصْمدُ

عندنا ، العامَّةُ وَقْتَ الحرْثِ يرمون الحبَّ بأيديهمْ في شقوقِ الأرضِ ، ويهتفون: حبٌّ يابسٌ ، في بلدٍ يابسٍ ، بين يديك يا فاطر السماوات والأرضِ ? أَفَرَأَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ {63} أَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ ? . إنَّها نزعةُ توحيدِ البري ، وتوجُّهُ إليهِ ، سبحانه وتعالى .

قام الخطيبُ المِصْقعُ عبدُالحميدِ كشكُ - وهو أعمى - فلمَّا علا المِنْبرَ ، أخرج منْ جيبهِ سعفة نخلٍ ، مكتوبٌ عليها بنفسِها: اللهُ ، بالخطِّ الكوفيِّ الجميلِ ، ثم هَتَفَ في الجموعِ:

انظُرْ لتلك الشَّجرهْ

ذاتِ الغُصُونِ النَّضِرهْ

منِ الذي أنبتها

وزانها بالخضِرهْ

ذاك هو اللهُ الذي

قُدرتُه مُقْتدِرهْ

فأجْهش الناسُ بالبكاءِ .

إنهُ فاطرُ السماواتِ والأرضِ مرسومةٌ آياتُه في الكائناتِ ، تنطقُ بالوحدانيَّةِ والصَّمديةِ والربوبيَّةِ والألوهيَّةِ ? رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلًا ? .

منْ دعائمِ السرورِ والارتياحِ ، أنْ تشْعُرَ أنَّ هناك ربًّا يرحمُ ويغفرُ ويتوبُ على منْ تاب ، فأبشِرْ برحمةِ ربِّك التي وسعتِ السماواتِ والأرض ، قال سبحانه: ? وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ ? ، وما أعظم لطفهُ سبحانه وتعالى ، وفي حديثٍ صحيحٍ: أنَّ أعرابيًّا صلًّى مع رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - ، فلمَّا أصبح في التَّشهُّدِ قال: اللهمَّ ارحمني ومحمدًا ، ولا ترحمْ معنا أحدًا . قال - صلى الله عليه وسلم -: (( لقدْ حجرت واسعًا ) ). أي: ضيَّقت واسعًا ، إنَّ رحمة الهِ وسعتْ كلَّ شيءٍ ? وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا ? ، (( اللهُ أرحمُ بعبادِهِ منْ هذهِ بولدِها ) ).

أحرق رجلٌ نفسه بالنارِ فرارًا منْ عذابِ اللهِ عزَّ وجلَّ، فجمعه سبحانه وتعالى وقال له: (( يا عبْدِي ، ما حَمَلَك على ما صنعت ؟ قال: يا ربِّ ، خِفْتُك ، وخشيتُ ذنوبي . فأدخلهُ اللهُ الجنّة ) ). حديثٌ صحيحٌ .

? وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى {40} فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى ? .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت