يُرضيهم رضوانُ اللهِ ، ويُفرحُهم عفوُ اللهِ ، ويُثلجُ صدورهم كلمةٍ: ? وَجَزَاهُم بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا {12} مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا {13} وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلَالُهَا وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا {14} وَيُطَافُ عَلَيْهِم بِآنِيَةٍ مِّن فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَا {15} قَوَارِيرَ مِن فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا ? .
خرج رجلٌ من بني عبْسٍ يبحثُ عن إبلِه التي ضلَّتْ ، فذهب والتمسها ، ومكث ثلاثة أيامٍ في غيابِه ، وكان هذا الرجل غنيًا ، أعطاه اللهُ ما شاء من المالِ والإبلِ والبقرِ والغنمِ والبنين والبناتِ ، وكان هذا المالُ والأهلُ في منزلٍ رحْبٍ على ممرِّ سيْلٍ في ديارِ بني عبس ، في رغدٍ وأمنٍ وأمانٍ ، لم يفكرْ والدُهم ولم يفكرْ أبناؤه أن الحوادث قد تزورهم ، وأن المصائب قد تجتاحُهم .
يا راقد الليلِ مسرورًا بأوَّلِه
إنَّ الحوادث قد يطْرُقْنَ أسْحارا
نام الأهلُ جميعًا كبارُهم وصغارُهم ، معهم أموالُهم في أرضٍ مستوية ، ووالدهم غائبٌ يبحثُ عن ضالَّتِه ، وأرسل اللهُ عليهم سيْلًا جارفًا لا يلوي على شيءٍ ، يحملُ الصخور كما يحملُ التراب ، ومرَّ عليهم في آخر الليلِ ، فاجتاحهم جميعًا ، واقتلع بيوتهم من أصلها ، وأخذ الأموال معه جميعًا ، وأخذ الأهل جميعًا ، وزهقتْ أرواحُهم من تدفُّقِ الماء ، وصارُوا أثرًا بعد عيْنٍ ، فكأنهم لم يكونوا ، صارُوا حديثًا يُتلى على اللسانِ .
وعاد الأبُ ثلاثةِ أيامٍ إلى الوادي ، فلم يُحِسَّ أحدًا ، ولم يسمعْ رافدًا ، لا حيَّ ولا ناطق ولا أنيس ، المكانُ قاعٌ صَفْصَفٌ ، يا اللهُ !! يا للدَّاهيةِ الدهياءِ !! لا زوجة لا ابن لا ابنة ، لا ناقةَ لا شاةَ لا بقرة ، لا درهم لا دينار ، لا ثوب لا شيء ، إنها مصيبةٌ !!
وزيادةً في البلاء: إذا جملٌ منْ جمالِهْ قْد شرد ، فحاول أنْ يدركه وأخذ بذيِله علَّة أن يجد رجلًا يقودُه إلى مكان يأوي إليه ، وبعد حينٍ ووقتٍ من هذا اليوم سمعه أعرابيُّ آخرُ ، فأتى إليه وقاده ، وذهب به إلى الوليدِ بنِ عبدِالملك الخليفةِ في دمشق ، وأخبره الخَبَرَ ، فقالَ: كيف أنتَ ؟ قال: رضيتُ عن اللهِ .
وهي كلمةٌ كبيرةٌ عظيمةٌ ، يقولُها هذا المسلُم الذي حَمَلَ التوحيد في قلبِه ، وأصبح آيةً للسائلين ، وعظِةً للمتَّعظين ، وعبرةً للمعتبرين .
والشاهد: الرضا عن اللهِ .
والذي لا يرضى ولا يسلِّمُ للمقدّر ، فإن استطاع أن يبتغي نفقًا في الأرض أو سُلَّمًا في السماء، وإن شاء: ?فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاء ثُمَّ لِيَقْطَعْ فَلْيَنظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ?
وقفة وإذا هممت فناجِ نفسك بالمُنى
قال أبو عليِّ بنِ الشبل:
وإذا هممت فناجِ نفسك بالمُنى
وَعْدًا فخيراتُ الجنانِ عِداتُ
واجعلْ رجاءك دُون يأسِك جُنَّةً
حتى تزول بهمَّك الأوقاتُ
واسترْ عن الجُلَساءِ بثَّك إنما
جلساؤُك الحُسَّادُ والشُّمَّاتُ
ودعِ التوقُّع للحوادثِ إنه
للحيِّ منْ قبلِ المماتِ مماتُ
فالهمُّ ليس لهُ ثباتٌ مثلِ ما
في أهلِهِ ما للسرورِ ثباتُ
لولا مغالطةُ النفوسِ عقولها
لم تصْفُ للمتيقظين حياةُ
اتخاذُ القرار
? فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ ? . ? إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ ? .
إن كثيرًا منا يضطربُ عندما يريد أن يتخذ قرارًا ، فيصيبُه القلقُ والحيرةُ والإرباكُ والشكُّ ، فيبقى في ألمٍ مستمرٍ وفي صداعٍ دائمٍ . إن على العبدِ أن يشاور وأن يستخير اللهَ ، وأن يتأمَّل قليلًا ، فإذا غلب على ظنه الرأيُ الأصوبُ والمسلكُ الأحسنُ أقدم بلا إحجام ، وانتهى وقتُ المشاورةِ والاستخارةِ ، وَعَزَم وتوكَّل ، وصمَّم وَجَزَم ، لينهي حياة التردُّد والاضطرابِ .
لقد شاور - صلى الله عليه وسلم - الناس وهو على المنبر يوم أُحُد ، فأشاروا بالخروجِ، فلبس لأمته وأخذ سيفه ، قالوا: لعلَّنا أكرهناك يا رسول الله ؟ لو بقيت في المدينةِ . قال: (( ما كان لنبي إذا لبس لأمته أن ينزعها حتى يقضي اللهُ بينه وبين عدوِّهِ ) ). وَعَزَم - صلى الله عليه وسلم - على الخروجِ .
إن المسألة لا تحتاجُ إلى ترددٍ ، بل إلى مضاءٍ وتصميمٍ وعزمٍ أكيدٍ ، فإن الشجاعة والبسالة والقيادة في اتخاذِ القرارِ .
تداول - صلى الله عليه وسلم - مع أصحابِه الرأي في بدرٍ: ? وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ ? ، ? وَأَمْرُهُمْ شُورَى ? ، فأشارُوا عليه فَعَزَم - صلى الله عليه وسلم - وأقدم ، ولم يلوِ على شيءٍ .
إن التردٌّد فسادٌ في الرأيِ ، وبرودٌ في الهمَّةِ ، وَخَورٌ في التصميمِ وشَتاتٌ للجهدِ ، وإخفاقٌ في السَّيْرِ . وهذا التردُّدُ مرضٌ لا دواء له إلا العزمُ والجزمُ والثباتُ . أعرفُ أناسًا من سنواتٍ وهم يُقدِمون ويُحجمون في قراراتِ صغيرةٍ ، وفي مسائل حقيرةٍ ، وما أعرفُ عنهم إلا روح الشكِّ والاضطرابِ ، في أنفسِهم وفي من حولهم .
إنهم سمحوا للإخفاقِ أن يصل إلى أرواحِهم فَوَصَلَ ، وسمحُوا للتشتُّتِ ليزور أذهانهم فزار .
إنه يجب عليك بعد أن تدرس الواقعة ، وتتأمَّل المسألة ، وتستشير أهل الرأي، وتستخير ربَّ السماواتِ والأرضِ ، أن تُقدِم ولا تُحجِم ، وأن تُنْفِذ ما ظهر لك عاجلًا غير آجلٍ .