رأيتُ مئاتِ الألوفِ من الكتبِ الهائلةِ المذهلةِ في مكتبةِ الكونجرس بواشنطن، في كلِّ فنٍّ ، وفي كلِّ تخصُّصٍ ، عنْ كلِّ جيلٍ وشعبٍ وأُمةٍ وحضارةٍ وثقافةٍ ، ولكنَّ الأمة التي تحتضنُ هذه المكتبة العظمى ، أُمَّةٌ كافرةٌ بربِّها ، إنها لا تعلمُ إلا العالم المنظور المشهود ، وأمّا ما وراء ذلك فلا سمْع ولا بَصَرَ ولا قلْبَ ولا وَعْيَ ? وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَارُهُمْ وَلَا أَفْئِدَتُهُم مِّن شَيْءٍ ? .
إن الرَّوضَ أخْضَرُ ، ولكنَّ العنْزَ مريضةٌ ، وإنَّ التَّمْرَ مقفزيٌّ ، ولكنّ البُخل مرْوزِيٌّ ، وإن الماء عذْبٌ زُلالٌ ، ولكن في الفم مرارةً ? كَمْ آتَيْنَاهُم مِّنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ ? . ? وَمَا تَأْتِيهِم مِّنْ آيَةٍ مِّنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلاَّ كَانُواْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ ? .
إنَّ ممَّا يشرحُ الصدر: كثْرةُ المعرفةِ ، وغزارةُ المادّةِ العلميَّةِ ، واتِّساعُ الثقافةِ ، وعُمقُ الفكرِ ، وبُعدُ النَّظْرةِ ، وأصالةُ الفهْمِ ، والغوْصُ على الدليلِ ، ومعرفةُ سرِّ المسألةِ ، وإدراكُ مقاصدِ الأمورِ ، واكتشافُ حقائقِ الأشياءِ ? إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء ? ، ? بَلْ كَذَّبُواْ بِمَا لَمْ يُحِيطُواْ بِعِلْمِهِ ? . إنَّ العالِم رحْب الصدرِ ، واسع البالِ ، مطمئنّ النفْسِ ، منشرحُ الخاطرِ ..
يزيدُ بكثْرةِ الإنفاقِ منهُ
وينقصُ إنْ به كفًّا شددْتا
يقولُ أحد مفكَّري الغربِ: لي ملفٌّ كبيرٌ في درجِ مكتبي ، مكتوبٌ عليه: حماقاتٌ ارتكبتُها ، أكتبُه لكلِّ سقطاتِ وتوافه وعثراتٍ أُزاولُها في يومي وليلتي ، لأتخلَّص منها .
قلت: سبقك علماءُ سلفِ هذه الأُمَّةِ بالمُحاسبةِ الدقيقةِ والتَّنْقيبِ المُضني لأنفسِهم ?وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ ? .
قال الحسنُ البصريُّ: المسلمُ لنفسِهِ أشدُّ مُحاسَبَةً من الشريكِ لشريكِهِ .
وكان الربيعُ بنُ خُثيْمٍ يكتُبُ كلامهُ من الجمعةِ إلى الجمعةِ ، فإنْ وَجَدَ حسنةً حمِد الله ، وإنْ وَجَدَ سيِّئةً استغفر .
وقال أحدُ السلفِ: لي ذنبٌ منْ أربعين سنةً ، وأنا أسألُ الله أنْ يغفرهُ لي ، ولا زلتُ أُلحُّ في طلبِ المغفرةِ ? وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ ? .
حاسِبْ نَفْسَكَ
احتفظِ بمذكّرةٍ لديك ، لتُحاسب بها نفْشك ، وتذكر فيها السلبيَّاتِ الملازمة لك ، وتبدأ بذكْر التَّقدُّمِ في معالجتِها .
قال عمرُ: حاسِبوا أنفُسكُمْ قبل أنْ تُحاسبوا ، وزِنُوها قبل أن تُوزنوا ، وتزيَّنوا للعرضِ الأكبرِ .
ثلاثةُ أخطاءٍ تتكرَّرُ في حياتِنا اليومية:
الأولُ: ضياعُ الوقتِ .
الثاني: التَّكلُّمُ فيما لا يعني: (( مِنْ حُسْنِ إسلامِ المرءِ تركهُ ما لا يعنيهِ ) ).
الثالثُ: الاهتمامُ بتوافِهِ الأمورِ ، كسماعِ تخويفاتِ المُرجِفين ، وتوقُّعاتِ المثبِّطين ، وتوهُّماتِ المُوسوسِين ، كَدَرٌ عاجلٌ ، وهمٌّ معجَّلٌ ، وهو منْ عوائقِ السعادةِ وراحةِ البالِ .
يقولُ امرؤُ القيسِ:
ألا عِمْ صباحًا أيها الطَّللُ البالي
وهلْ يعِمنْ منْ كان في العُصُر الخالي
وهلْ يعِمنْ إلا سعيدٌ منعَّمٌ
قليلُ الهموم لا يبِيتُ بأوجالِ
علَّم الرسولُ - صلى الله عليه وسلم - عمَّ العباس دعاءً يجمعُ سعادة الدنيا والآخرةِ ، وهو قولُه - صلى الله عليه وسلم -: (( اللّهم إني أسألُك العَفْوَ والعافية ) ).
وهذا جامعٌ مانعٌ شافٍ كافٍ فيه خيرُ العاجلِ والآجلِ .
? فَآتَاهُمُ اللّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الآخِرَةِ ? ، ? فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى ? .
خُذوا حِذْرَكَمْ
منْ سعادةِ العبدِ اخْذُ الحَيْطةِ واستعمالُ الأسبابِ ، مع التَّوكُّلِ على اللهِ عزَّ وجلَّ ، فإن الرسول - صلى الله عليه وسلم - بارز في بعضِ الغزواتِ وعليه دِرعٌ ، وهو سيِّدُ المتوكَّلين ، وقال لأحدِهم لما قال له: أعقِلُها يا رسول اللهِ ، أوْ أتوكَّلُ ؟ قال: (( اعقِلها وتوكَّل ) ).
فالأخْذُ بالسببِ والتَّوكُّلُ على اللهِ قُوامُ التوحيدِ ، وترْكُ السبب مع التوكُّلِ على اللهِ قدْحٌ في الشرعِ ، وأخذُ السببِ مع ترْكِ التوكُّلِ على اللهِ قَدْحٌ في التوحيدِ .
وذَكَرَ ابنُ الجوزيِّ في هذا: أنَّ رجلًا قصَّ ظفره ، فاستفحل عليه فمات ، ولم يأخُذْ بالحيْطةِ .
ورجُلٌ دَخَلَ على حمارٍ منْ سردان ، فهصر بطنهُ فمات .
وذكروا عنْ طه حسين - الكاتبِ المصريِّ - أنه قال لسائقِهِ: لا تُسرعْ حتى نصِل مبكِّرين .
وهذا معنى مثلٍ: رُبَّ عجلةٍ تهبُ ريْثًا .
قال الشاعرُ:
قد يُدرِكُ المُتأنِّي بعض حاجتِه
وقدْ يكونُ مع المتعجِّلِ الزَّللُ
فالتَّوقِّي لا يُعارضُ القدر ، بلْ هو منهُ ، ومنْ لُبِّهِ ? وَلْيَتَلَطَّفْ ? ، ? تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُم بَأْسَكُمْ ? .
اكْسبِ الناس
ومنْ سعادةِ العبدِ قُدرتُه على كسْبِ الناس ، واستجلاب محبَّتِهم وعطفِهم ، قال إبراهيمُ عليه السلامُ: ? وَاجْعَل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ ? ، قال المفسرون: الثّناءُ الحسنُ . وقال سبحانه وتعالى عنْ موسى: ? وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي ? . قال بعضُهم: ما رآك أحدٌ إلا أحبَّك .
وفي الحديثِ الصحيحِ: (( أنتم شهداءُ اللهِ في الأرض ) ). وألسنةُ الخلْقِ أقلامُ الحقِّ .