فهرس الكتاب

الصفحة 59 من 138

قال ابنُ القيمِ: إذا ابتُليت بثقيلٍ ، فسلِّم له جسمك ، وهاجرْ بروحِك ، وانتقلْ عنهُ وسافرْ ، وملِّكْه أذنًا صمَّاء ، وعيْنًا عمياءَ ، حتى يفتح اللهُ بينك وبينه . ? وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا ? .

إلى أهلِ المصائبِ

في الحديثِ الصحيحِ: (( منْ قبضتُ صفيَّهُ من أهلِ الدُنْيا ثمَّ احْتَسَبَهُ عوضتهُ منه الجنة ) ). رواه البخاري .

وكانتْ في حياتِك لي عظاتٌ

فأنت اليوم أوعظُ منك حيًّا

وفي الحديثِ الصحيح: (( من ابتليتُه بحبيبتيْهِ( أي عينيْهِ ) عوضتُه منهما الجنة )). ? فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ ? .

وفي حديثٍ صحيحٍ: (( إنَّ الله - عزَّ وجلَّ - إذا قبض ابن العبدِ المؤمنِ قال للملائكةِ: قبضتُم ابن عبدي المؤمنِ ؟ قالُوا: نعمْ . قال: قبضتُهمْ ثمرة فؤادِه ؟ قالوا: نعم . قال: ماذا قال عبدي ؟ قالوا: حَمَدَكَ واسترجَعَ . قال: ابْنُوا لعبدي بيتًا في الجنةِ ، وسمُّوه بَيْتَ الحَمْدِ ) ). رواه الترمذي .

وفي الأثرِ: يتمنَّى أناسٌ يوم القيامةِ أنَّهمْ قُرِضوا بالمقارضِ ، لمِا يروْن منْ حُسْنِ عُقبى وثوابِ المصابين . ? إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ ? ، ? سَلاَمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ ? ، ? رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا ? ، ? وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بِاللّهِ ? ، ? فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ ? .

وفي الحديثِ: (( إنَّ عِظَمَ الجزاءِ منْ عِظمِ البلاءِ ، وإنَّ الله إذا أحبَّ قومًا ابتلاهمْ ، فمنْ رضي فلهُ الرَّضا ، ومنْ سخِط فلُه السخطُ ) ). رواه الترمذي .

إنَّ في المصائبِ مسائلَ: الصبرَ والقدرَ والأجرَ ، وليعلمِ العبدُ انَّ الذي أخذ هو الذي أعطى ، وأنَّ الذي سلب هو الذي منح، ? إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا ? .

وما المالُ والأهلون إلا ودِيعةٌ

ولابدَّ يومًا أنْ تُردَّ الودائعُ

إنَّ منْ مشاهدِ التوحيدِ عند الأذيَّةِ ( استقبالِ الأذى من الناسِ ) أمورًا:

أولُها مشهدُ العَفْوِ: وهو مشهدُ سلامةِ القلبِ ، وصفائهِ ونقائِه لمنْ آذاك ، وحبُّ الخيرِ وهي درجةٌ زائدةٌ . وإيصالُ الخَيْرِ والنَّفعِ له ، وهي درجة أعلى وأعظمُ ، فهي تبدأ بكظْمِ الغَيْظِ ، وهو: أنْ لا تُؤذي منْ آذاك ، ثمَّ العفو ، وهو أنْ تسامحهُ ، وأنْ تغفرَ له زلَّتهُ . والإحسانِ ، وهو: أنْ تبادله مكان الإساءةِ منه إحسانًا منك ، ? وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ? ، ? فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ ? ، ? وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا ? .

وفي الأثرِ: (( إنَّ الله أمرني أنْ أصِلَ منْ قطعني ، وأنْ أعفو عمَّنْ ظلمنِي وأنْ أُعطي منْ حَرَمَنِي ) ).

ومشهدُ القضاءِ: وهي أنْ تعلم أنه ما آذاك إلا بقضاءٍ من اللهِ وقَدَرٍ ، فإنَّ العبد سببٌ من الأسبابِ ، وأنَّ المقدر والقاضي هو اللهُ ، فتسلِّمَ وتُذْعن لمولاك .

ومشهدُ الكفارةِ: وهي أنَّ هذا الأذى كفارةٌ منْ ذنوبك وحطٌّ منْ سيئاتِك ، ومحوٌ لزلاّتِك ، ورفعةٌ لدرجاتِك ، ? فَالَّذِينَ هَاجَرُواْ وَأُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَأُوذُواْ فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُواْ وَقُتِلُواْ لأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ ? .

من الحكمةِ التي يؤتاها كثيرٌ من المؤمنين ، نَزْعُ فتيلِ العداوةِ ، ? ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ ? ، (( المسلمُ منْ سلِم المسلمون منْ لسانِه ويدهِ ) ).

أيْ: أن تَلْقَى منْ آذاك بِبِشر وبكلمةٍ لينةٍ ، وبوجهٍ طليقٍ ، لتنزع منهُ أتون العداوةِ ، وتطفئ نار الخصومِة ? وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُواْ الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ ? .

كٌن ريِّق البِشْرِ إنَّ الحُرَّ شيمتُهُ

صحيفةٌ وعليها البِشْرُ عنوانُ

ومنْ مشاهدِ التوحيدِ في أذى منْ يؤذيك:

مشهدُ معرفةِ تقصيرِ النفسِ: وهو انَّ هذا لم يُسلَّطِ عليك إلا بذنوبٍ منك أنت ، ?أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ ? ، ?وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ ?

وهناك مشهدٌ عظيمٌ ، وهو مشهدٌ تحمدُ الله عليهِ وتشكرُه ، وهو: أنْ جعلك مظلومًا لا ظالمًا .

وبعضُ السلفِ كان يقولُ: اللهمَّ اجعلْني مظلومًا لا ظالمًا . وهذا كابنْيْ آدم ، إذ قال خيرُهما: ? لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَاْ بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لَأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ ? .

وهناك مشهدٌ لطيفٌ آخرُ ، وهو: مشهدُ الرحمةِ وهو: إن ترْحَمَ منْ آذاك ، فإنهُ يستحقُّ الرحمةَ ، فإنَّ إصراره على الأذى ، وجرأته على مجاهرةِ اللهِ بأذيةِ مسلمٍ: يستحقُّ أن ترقَّ لهُ ، وأنْ ترحَمَهُ ، وأنْ تنقذه من هذا ، (( انصرْ أخاك ظالمًا أو مظلومًا ) ).

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت